حزيراننا القاسي

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

2/6/2015
المدن
المؤلف: 

 شهر أيار الفائت شهد هزائم كبيرة لقوات النظام أنهته بارتكاب مذبحة ضخمة بواسطة البراميل المتفجرة في حلب وريفها. الإدانات الدولية القليلة الخجولة تعكس عدم تطور المواقف الدولية بما يناسب المتغيرات على الأرض، وأسوأ ما فيها أن إدانة المبعوث الدولي نصّت على أن النظام يقصف "شعبه"، أي أعطت النظام شرعية يفتقدها ميدانياً ومعنوياً. هذا الفتور إزاء أعمال الإبادة الانتقامية يعكس رغبة قديمة بتفريغ تحرير المناطق من معناه، وهو السلوك الذي واظبت عليه القوى الدولية منذ ما يقارب أربع سنوات حين حرمت قوات الجيش الحر من الأسلحة المضادة للطيران. فضلاً عن ذلك، ترك داعش يتقدم للاستيلاء على تدمر قد يكون مقدمةً، أو إشارةَ موافقة ضمنية على تقدمها في مناطق أخرى تسيطر عليها قوات المعارضة. ويبدو أن التنظيم سرعان ما إلتقط تلك الإشارة وباشر هجومه على مواقع المعارضة في ريف حلب الشمالي، بينما كانت الأخيرة تتهيأ لمهاجمة ما تبقى من مناطق سيطرة النظام في المدينة.

من المعلوم أيضاً أن أياماً قليلة بقيت على بداية شهر رمضان. كانت قوات النظام قد دأبت في مواسم رمضان الأخيرة على ارتكاب أبشع المجازر، ومن المرجح أن تصعّد من سلوكها ذاك انتقاماً للخسائر التي مُنيت بها مؤخراً، وترضيةً لقاعدة مؤيديها التي بدأت تتململ من كثرة الضحايا في صفوفها. سلوك النظام الوحشي يتزامن مع ما راح يشيعه عن اعتماد تكتيكات جديدة. فهو، إذ برر هزائمه بالانسحاب الطوعي حفاظاً على موارده البشرية، سيعمد إلى استخدام طيرانه بشكل مكثّف خارج مناطق سيطرته، وتحديداً على المناطق التي لا يسيطر عليها داعش. النظام سيقدّم لمؤيديه ما يعتقد أنها الهدية المناسبة، فيقول لهم: ها أنذا أعفيكم من تقديم عدد كبير من القرابين، وفي المقابل أمنحكم فرصة التشفي بإبادة الأعداء.

المعارك الفعلية التي سيخوضها النظام وحلفاؤه ستكون على جبهتي القلمون والساحل لمنع أي اختراق للتواصل الجغرافي بين العاصمة والساحل، ومنع أي تهديد لمعقله في الساحل. ثمة معركة أخرى يلوح بها حلفاء النظام وهي معركة لبنانية، والتهديد هنا موجه للغرب وأيضاً للقيادة السعودية التي تريد التهدئة في لبنان وتحييده عما يجري في سوريا. فحوى التهديد: إما أن نتمكن من السيطرة على القلمون أو يمتد الحريق إلى الداخل اللبناني بدءاً من عرسال وجرودها. لذا لا يُستبعد اللجوء إلى التسخين على الساحة اللبنانية في حال تعرض حزب الله إلى انتكاسات في حربه على القلمون، والمقايضة العسيرة لن تكون على الأغلب لصالح المعارضة السورية طالما اتفقت غالبية القوى المؤثرة على أولوية استقرار لبنان، أو تأجيل استحقاقاته في انتظار الحسم السوري.

الزعامة الإيرانية لا تريد الظهور بأنها قدمت تنازلات كبيرة في الشأن النووي، وتعرضت في الوقت نفسه لانتكاسات كبيرة في مناطق نفوذها القديمة والمستجدة. وفي شهر الصفقة الكبرى ستبذل أقصى جهدها للقول بأنها قادرة على الأقل على زعزعة استقرار المنطقة. وبما أن هامش مناوراتها في اليمن أصبح محدوداً وممنوعاً دولياً، لم يعد أمامها سوى الساحة السورية لإبراز قوتها. ما أشيع مؤخراً عن عودة قاسم سليماني للإشراف على دعم النظام، مع وصول مئات من نخبة الحرس الثوري للمشاركة في المعارك، يؤشر على تفضيل القيادة الإيرانية حرب استنزاف طويلة على تسوية تقلّم استطالاتها هنا وهناك. وعلى رغم ما يُشاع عن صفقة أمريكية إيرانية سرية تُطلق أذرع إيران الإقليمية إلا أن الإيرانيين ليسوا واثقين من الصمت الأمريكي على تمددهم، بخاصة بعد أن ينال أوباما اتفاقه النووي المنشود. إذ يُستبعد أن يعمل حارساً شخصياً للمصالح الإيرانية في المنطقة، ولن يكون هو في أحسن حالاته كلما اقترب من نهاية ولايته، ولن تبقى مؤكدةً قدرتُه على ضبط تركيا والحلفاء الخليجيين.

سيكون من المبالغة الاعتقاد بأن الشهر الحالي حاسم في سوريا، وعلى صعيد الملفات المتصلة بها في المنطقة. لكن وفق المعطيات المعروفة من المرجح أن يكون الشهر الذي يسعى فيه كل طرف إلى تحسين مواقعه، أو إلى إيقاع أكبر أذى ممكن بالطرف الآخر، ما لم تتقدم المعارضة في مواقع ذات أثر ميداني ومعنوي ضخم جداً. الأجواء السائدة الآن في أوساط الثوار محمولة على الانتصارات الأخيرة، وبعضها مفرط في التفاؤل في ما يخص استمرار التقدم واستمرار الزخم الإقليمي الداعم. لكن مجمل الظروف الإقليمية والدولية تبدو أشد تعقيداً من أن تسمح باستمرار هذا الزخم المعنوي، ولو اقتضى إيقافه السماح لداعش بالانقضاض على الساحة الخلفية للقوى المهاجمة. نعم، في أي انتصار للمعارضة على النظام ينبغي ألا تتحسب من براميله وحسب، وإنما ينبغي أن تحرس انتصارها من عبث الحلفاء، ومن انحطاط الحلف ضد داعش الذي يبدو أنه حتى الآن يخدم داعش والنظام معاً.

تعليقات