حظوظ المبادرة الروسية للحل السوري

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

1/1/2015
الحياة
المؤلف: 

تكاد حظوظ روسيا في تحقيق اختراق في جدار الأزمة السورية السميك تتساوى مع حظوظ ستيفان دي ميستورا في تجميد القتال في حلب، ذلك أن ما يجمع بين الخطتين انطلاقهما من قناعة مفادها بأن السوريين تعبوا من الحرب وهم سيتلقفون أي مبادرة تشكل فرصة للإستراحة من الحرب اليومية التي أنهكتهم، حتى لو لم تكن أطراف الأزمة مقتنعة بالحل، والتقاطع الآخر الذي يلتقي عنده التحركان الروسي والأممي تأثرهما بمواقف جهات تملك وجهة نظر معروفة عن الأزمة، روسيا، ثم إيران التي تقيم في تفاصيل وتقنيات خطة دي ميستورا.

هل تعب السوريون؟ تلك مجرد تقديرات افتراضية، قد تكون من الناحية النظرية صحيحة، لكن هل وصلت اطراف الحرب في سورية بالفعل الى تلك القناعة؟ الواقع الميداني لا يقول ذلك، فما دام الطرفان مصرّين على اجتثاث بعضهما بعضاً، فمعنى ذلك أنهما لم يصلا بعد إلى هذه المرحلة، والدول والمنظمات عادة لا تغامر في البناء على افتراضات نظرية غير مدعمة بمعطيات عملية وتعرّض صدقية ديبلوماسيتها لأخطار فشل مجاني وأكيد.

هل هو سباق روسي إيراني على شكل كباش على خط الأزمة السورية عبر حرب تصورات حلول للأزمة تنعكس نتائجها على عملية إعادة تشكيل الصراع أكثر من تجسدها في حلول واقعية للأزمة؟ تصريحات نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف في بيروت، وبخاصة تلك التي جرى تسريبها من مجالسه الخاصة مع حلفاء روسيا في لبنان، لا تنطوي على أدنى درجات التفاؤل في إحداث اختراق جدي للأزمة، كما إن قدرة روسيا على إحداث تغيير في دينامية هذه الحرب وصلت إلى ذروتها ولم يعد في إمكانها صناعة تغييرات حاسمة تعدل موازين القوى في الصراع، ما يعني أن التحرك الروسي يبيّت أهدافاً أخرى، وهذا يدفع النقاش إلى احتمالات أخرى لفهم هذا التحرك على حقيقته.

من ضمن تلك الاحتمالات التي يقع هذا النمط من الحروب على خطها دائماً، صراع الحلفاء، سواء الداخليين أو الخارجيين، وغالباً ما يحصل هذا الصراع بسبب الاختلاف على حصص النفوذ وعلى إدارة الصراع، انطلاقاً من اعتقاد كل طرف بأن له الحق بالتدخل بمقدار ما يقدمه من دعم ومساندة في هذه الحرب، ويشير الحراك الروسي الى استفاقة لا يبدو أنها في وجه أميركا التي لها سياقها ومسارها الذي لم يصطدم يوماً مع الإجراءات الروسية في دعم النظام، من خطوط إمداد إلى دعم ديبلوماسي، فالعلاقة بين الطرفين على هذا الخط لم تصل في يوم إلى مرحلة الاصطدام، ومن نافلة القول إن واشنطن وجدت في المانعة الروسية ملاذاً للاختباء خلف تلك الذريعة.

لكن يبدو أن التحرك الروسي بداية اصطدام مع الحليف الإيراني ومحاولة لإعادة تموضع جديدة داخل الميدان، بعد أن ظلت روسيا داعماً خارجياً في مجلس الأمن وعلى صعيد السلاح، وهو دور لم يعد كافياً وربما لم يعد مرضياً بالنظر الى عدم القدرة على تصريفه في المقايضات الدولية، أوعلى الأقل لا يأتي بثمن مواز لطموح روسيا فيما ترى أن إيران تحصد نتائج أكثر قيمة في تفاوضها مع الغرب بسبب حضورها الميداني في المنطقة.

ويفيد التدقيق في التحرك الروسي بأنه ممنهج وله تقنياته الخاصة في التموضع، فهو ينطلق من بناء كتلة سياسية، من النظام والمعارضة، تشكل حيثية لها وتتفق مع الفلسفة الروسية للصراع في مرحلة أولى، ولا شك في أن هذه الكتلة سيكون لها بناء مواز في الميدان، إذ ليس من الصعب ان تجد روسيا حيثيات لها في هذا الحيز، رغم كل مساحة الظل التي رسمتها إيران على المربع السوري الموالي. صحيح أن إيران أشرفت، ومنذ مرحلة مبكرة، على هندسة مسرح المعركة بواسطة جنرالها قاسم سليماني الذي بات يعرف كل نقلات وحركات الميدان وعناصره الفاعلة ومواقعها، غير أن روسيا إذا أرادت تستطيع أن تخلق الكثير من مواقع القوة والنفوذ لها في الداخل السوري، ليس على مستوى المعارضة الداخلية التي تملك معها خطوط تنسيق، ولكن أيضاً على مستوى القوى العسكرية، وبخاصة أن كثيرين من ضبّاط النظام الأمنيين والعسكريين هم أصحاب ثقافة عسكرية روسية، وإن الآلاف منهم متزوجون من روسيات. وعدا عن هذا وذلك فإن ظروف الفوضى وقلة الإمداد تتيح لطرف مثل روسيا الانخراط والتموضع في الداخل السوري، وبخاصة في ظل حالات التشظي الهائلة وعدم قدرة النظام على ضبط القوى في الشكل الذي كان قبل الثورة.

يترافق ذلك مع ظهور شخصيات ذات طبيعة أسطورية داخل البيئة العلوية تمتلك قواعد جماهيرية، وتقضم من مساحة جماهيرية بشار الأسد، مثل سهيل الحسن، وبعضها لها تأثير بحكم الأمر الواقع، مثل الكثير من قادة المناطق، وبعضهم ضباط أمنيون وقادة عسكريون سابقون مثل علي حبيب وعلي حيدر.

لا يبدو أن ايران سعيدة بهذا التحرك الروسي المستجد، وبخاصة أنها تدرك انه قد يشكل متغيراً لغير مصلتحها، فهو يتيح بدائل أمام نظام الأسد. صحيح ان إيران كانت أكثر سخاء في العطاء، لكنها لا تضمن أن تبقى على نفس الدرجة، كما ان روسيا قد تكون أكثر مقبولية لدى شرائح أوسع من النخبة السورية المؤيدة لبشار من سنّة ومسيحيين وعلويين.

من محفّزات هذا النوع من الصراع أن بنيته موجودة وتشبه البيئة التي أوجدت الصراع الذي حصل في الثورة ما بين «الجيش الحر» والكتائب المتطرّفة، وتغصّ بنية الجبهة المقابلة بالمتناقضات وبالتململ بين بقايا جيش سوري نظامي وميليشيات ذات طبيعة طائفية، لها مصالحها وأهدافها من الصراع ومواقفها المتناقضة من مآلات الأزمة، ولا يحتاج الأمر لأكثر من إطلاق ديناميات هذا الصراع من خلال التنازع على مساحات التأثير ومناطق النفوذ.