حقيقة السياسة الأمريكية في سورية

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

21/3/2015
السورية نت

من المؤكد أنّ السياسة الأمريكية تبنى على العمل المؤسساتي، ولا يمكن لأي رئيس أن يخرج عن النهج السياسي العام، وحركته تدور في إطار الآلية التي تتحقق بها المصلحة العليا لأمريكا، فالرؤساء الأمريكيون يختلفون في الأسلوب ويلتقون في الهدف، ويسري الأمر على كل مفاصل القرار، والمؤسسات ذات التأثير.

وبالتالي فإن من التعسّف القولُ أن دولةً كأمريكا تتخبط، ولا تملك استراتيجية واضحة في الشرق الأوسط عموماً، وفي الملف السوري خصوصاً كما عبر عن ذلك مصدر فرنسي، فالمتتبع لتفاصيل المواقف الأمريكية يجد وضوحاً في الاستراتيجية، لكنَّ الظروف التي تمرّ بها المنطقة، وتداخل الخيوط حدّ التشابك يظهر الإدارة، وكأنها مشوّشة.

لقد أعلن البيت الأبيض "أوباما" منذ الشهور الأولى للثورة السورية سحب الشّرعيّة السياسية من النظام السوري، وطالبه بترك السلطة، ولم يعترف بمهزلة الانتخابات الرئاسيّة العام الماضي، ووقفت الإدارة الأمريكية هنا أمام معضلات عدة منها:

-عدم امتلاك قوى فاعلة "عسكرية" داخل النظام السوري، والمؤسسة العسكرية خصوصاً قادرة على الإطاحة بنظام الأسد من الداخل كما حصل مع أنظمة عربية أخرى، أطاح بها العسكرُ بالرئيس، أو كما حصل في سورية بانقلاب حسني الزعيم.

-غياب البديل المناسب أمريكياً، فأمريكا تفضل بالوقت الراهن السيء الذي تعرفه (الأسد) على القادم الذي لا تعرفه، فأسدٌ سيء نعرف التعامل معه خيرٌ من أسوأ قد يأتي، ولا نعرف التعامل معه، وهذا ما يفسّر الإصرار الأمريكي على انتقالٍ سياسي توافقي بين السلطة الحالية والمعارضة بشكل لا يؤدي لعملية انتقالية فجائية، فالاتفاق التوافقي –حسب وجهة النظر الأمريكية- سيترك لأمريكا هامشاً لتحديد السلطة القادمة، وتتطابق الرؤية الأمريكية الروسية في هذه النقطة، وقد كان جون برينان مدير مركز جهاز الاستخبارات الأمريكية صريحاً عندما أوضحَ أنَّ واشنطن وموسكو لا تريدان انهيارَ الحكومةِ السورية، ومؤسسات الدولة. أي لا تريدان أن يكون بجوار إسرائيل دولة فاشلة لا تستطيع السيطرة على الوضع.

-الملف النووي الإيراني، ترغب أمريكا باستثمار الأزمة السورية لتحقيق مكاسب مع إيران، فهي تعطي لإيران منحاً في سورية دون أن تخسر شيئاً، وقد سبق أن باعت الولايات المتحدة الشعب السوري بالكيماوي، ولا بأس أن تبيعه بالنووي الإيراني ما دام ذلك ضامناً للأمن الإسرائيلي، وهنا تبرز أهم ثوابت السياسة الخارجية الأمريكية التي لا يستطيع أي رئيس أمريكي تجاوزها.

وفي ضوء ما سبق اصطدمت السياسة الأمريكية الخارجية بأهم حليفين (السعودية، تركيا) في المنطقة بعد إسرائيل، وهما اللذان لا يقبلان إلا برحيل الأسد ونظامه، وبما أنه لا يمكن للسياسة الأمريكية تجاوزهما، أو العمل خلاف مصالحهما بالمطلق، فقد تجلى المأزق الأمريكي في هذه النقطة، التي انطلق منها بعضهم للحكم على السياسة الأمريكية بالتخبط.

وجدت إدارة البيت الأبيض الأنسب لها ولإسرائيل متمثلاً بإدارة الأزمة دون انهائها، واتبعت سياسة الباب المغلق تجاه الأسد بما يرضي الحليفين السعودي والتركي، وسياسة الباب المفتوح (الانتقال السياسي السلمي) بما يمكنها من تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب ريثما يتم التوصل لحل بالملف النووي، وفي هذه المرحلة ستصل الأطراف جميعها بما فيها إيران مرحلة الإنهاك العسكري، وربما تصل لمرحلة الاستنزاف الاقتصادي والبشري، وفي هذا الإطار نجد انسجاماً بين كلام وزير الخارجية الأمريكية جون كيري حول ضرورة التفاوض مع الأسد من أجل انتقال سياسي، وبين تصريح البيت الأبيض بأنه لا دور للأسد بمستقبل سورية.

السياسة الأمريكية تبنى على المصالح والثوابت الأمريكية العليا، ثمّ مصالح الحلفاء الأقرب فالأقرب، ولا مكان للقيم الأخلاقية، والحق أنَّ جميع من يعتقد تخبط الإدارة الأمريكية يرى ذلك التخبط من منظار القيم الأخلاقية، ولو نظر بمنظار المصالح، وهو المتحكم بأمريكا لوجد تخطيطاً محكماً، فهناك مكاسب كثيرة ليس الآن موطن ذكرها حصلتها أمريكا جراء إطالة الثورة.