حكايات من جبل الزاوية.. سكانٌ يروون لـ"السورية.نت": تحدٍ وإصرار رغم المآسي والدمار

نازحون من كفرنبل في الأراضي الزراعية قرب الحدود السورية التركية - يوليو/تموز 2019 - خاص: السورية.نت
الثلاثاء 09 يوليو / تموز 2019

مع ساعات الغروب الأولى، يلملم أبو سامي وعائلته أغراضهم المنتشرة في أرض الزيتون التي يملكها، بانتظار حلول الظلام بشكل كامل، للعودة إلى منزله في قرية احسم بجبل الزاوية؛ وعلى متن دراجته النارية ينتقل الرجل الأربعيني مع أولاده الثلاثة وزوجته دون إشعال أي ضوء في الطريق، خشية تعرضهم للقصف، من قبل طائرات النظام التي حولت قريته إلى شبه مدمرة بالكامل.

قبل أسابيع قليلة، كانت قرى جبل الزاوية بإدلب، تنبض بالحياة وتعج بالناس من أهلها ومن النازحين الكثر الذي لجؤوا إلى أهالي الجبل المعروفين بكرمهم وحسن استقبالهم للضيف، لكنّ حملة النظام على المنطقة واستهدافه البشر والحجر، حوّل هذه المنطقة اليوم إلى ما يشبه أشباح لا تحوي إلا بعض العائلات التي أصرت على البقاء رغم خطورة الأوضاع.

فخلال شهر يونيو/حزيران الماضي، قُتِلَ ما لايقل عن 194 مدني في محافظة ادلب، وفق احصاءات "الدفاع المدني السوري" بينهم نساء وأطفال، وعنصرين متطوعين فيه.

غلاء ايجارات المنازل

يقول أبو سامي لـ "السورية نت" لدى سؤاله عن سبب بقاءه في احسم رغم خطورة الوضع:" في الأيام الأولى للقصف نزحت مع عائلتي إلى الحدود الشمالية قرب أطمة، حاولنا استئجار منزل لكن الأسعار هناك جميعها بالدولار، ولأنني فلاح بسيط لا قدرة لي على دفع هذه المبالغ. عدتُ أدراجي وآثرت البقاء في قريتي".

وأمام الوضع الاقتصادي السيئ والأعداد الكبيرة للنازحين، اضطرت العديد من الأسر للإقامة بشكل مؤقت في أراضي زراعية، حيث بلغت أسعار الآجار للغرفة الواحدة في القرى القريبة من المنطقة، قرابة 15 ألف ليرة سورية، في حين تحدث نازحون آخرون من القرية، عن أجارات تصل إلى 300 دولار شهرياً في سرمدا ومناطق قريبة حدودية مع تركيا.

نزح الشاب الجامعي أيهم عوّاد مع عائلته من احسم أيضاً، واستقر به المطاف في مخيم "الطليعة" في قرية حنتوتين بجبل الزاوية، الذي يقع ضمن منطقة جبلية صخرية، حيث أقام النازحون هنا بعض الخيم العشوائية من البطانيات والشوادر المتوفرة.

يشرح عوّاد وضع عشرات العائلات في هذا المخيم بالقول:"مئات العائلات لجأت إلى هنا هرباً من الموت، لم يتكمن معظمهم حتى من إخراج ثيابهم وحاجاتهم. على عجل أقمنا بضع الخيام العشوائية التي لا تقي حرارة الصيف. وكما ترى لا يوجد مياه ولا مرافق صحية، وبعض الأطفال أصيبوا بالأمراض من شدة الحرارة وضعف الرعاية والخدمات الصحية، نحن هنا منذ أيام طويلة ولم تقدم لنا المعونة أي من المنظمات الانسانية".

خسائر كبيرة وأطلالُ قرى

ليس بعيدا عن احسم في مدينة كفرنبل المجاروة، ترتسم مظاهر الدمار بشكل واضح؛ وقد أضحت المدينة خاوية إلا من بعض سكانها، ومنهم أبو وائل الذي خسر أحد أبناءه في قصف النظام مؤخراً للمدينة، لكنه رغم ذلك بقي مصراً على البقاء .

وبعيون حزينة ووجه تبدو عليه معالم الغضب، يوجه أبو وائل أصابعه إلى منزله الذي دُمِرَ جزئياً بالقصف، مجيبا لدى سؤال "السورية.نت" عن سبب بقاءه:" هذه داري.. يريد النظام أن نرحل عنها ونفقد الأمل، لكن نحن سنبقى هنا، فإما أن تأتي ساعة فرج أو نموت هنا".

مع بضعة عائلات أخرى لا تزال متمسكة بالبقاء، بقي أبو وائل  في كفرنبل لكن مقومات الحياة شبه غائبة، حيث لا أسواق تفتح أبوابها، ولا حتى مراكز صحية للعلاج بعد أن دمرها النظام.

ورغم سنوات طويلة مضت منذ خروج النظام نهائياً من كفرنبل أواخر 2012، إلا أن القصف الأخير كان الأعنف والأشد تأثيراً، حيث ولأول مرة تشهد المدينة نزوحاً جماعياً كالذي حصل في الأسابيع الأخيرة.

من جهته انتقد الناشط الإعلامي في مدينة كفرنبل، بلال بيوش، تراجع الدور الإعلامي في تغطية جرائم النظام في جبل الزاوية موضحاً:" يبدو أن الجميع تعوّد على القصف وأصبح روتينياً لدرجة أنه ما عاد يذكر في وسائل الإعلام(العربية)...منذ 50 يومياً وطائرات وبراميل النظام لا تتوقف عن قصف المنطقة، بينما في المساء حين نلتقط أنفاسنا تكون طائرات الاستطلاع ترصد الأهداف الجديدة".

في بلدات مجاورة لكفرنبل مثل البارة وكنصفرة وحاس ودير سنبل وبليون وحزارين ومعرة حرمة، يكاد العابر يحسب هذه الأماكن وكأنها أصيبت بزلزال ضخم من شدة الدمار الذي أصاب بيوتها. بلدات وقرى اختفت منها الحياة بشكل كامل وأصبحت مهجورة.

لم يخسر أهالي جبل الزواية هذه الأيام بيوتهم فحسب، بل تعدت خسائرهم المادية إلى أرزاقهم، حيث تزامنت حملة النظام مع موسم حصاد الكرز الذي تشتهر به معظم قرى جبل الزاوية.

ويكتسي جبل الزاوية منذ بداية الثورة السورية أهمية رمزية، كونه من أوائل المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام، وكان لسكانه قبل ذلك، دور بارز في المظاهرات السلمية، منذ سنة 2011.

المصدر: 
السورية.نت