مسار الحزبية السورية 3-4 حكم العسكر … تراجع نسبي لليمين المحافظ وصعود ملفت لليسار 1949 - 1955

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

8/5/2016
السورية نت
المؤلف: 

فقد السوريين الأمل تماماً من قادتهم السياسيين وآمن الكثير منهم أن الحكومة النيابية نفسها لا تتناسب والأوضاع السورية، فقد كانوا يتوقعوا الشيء الكثير من حكومة يديرها سوريون، لذا كان انقلاب حسني الزعيم بنظر الكثيرين المنقذ الذي ينتظره الشعب لتنقية البلاد من الفساد وضرورة حتمية لتنفيذ ﺍﻟﺘﻐﻴﺮﺍﺕ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﻳﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ – ﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩﻳﺔ وإعادة الثقة بالنفس للشعب.

لهذا حاصرت في 30 آذار سنة 1949 فصائل من الجيش السوري في دمشق مباني رئاسة الدولة ومجلس النواب ومختلف الوزارات فاعتقل رئيس الجمهورية شكري القوتلي ورئيس مجلس وزرائه ليخرج بعدها الزعيم معلناً في بيانه عن وقوع الانقلاب العسكري الأول مبرراً ذلك رداً على نكبة فلسطين  .

لقي هذا الانقلاب بدايةً ترحيب فئات عريضة من المواطنين ومن الأحزاب السياسية - الأيديولوجية منها بالدرجة الأولى - كالحزب الشيوعي والبعث والقوميين السوريين كعهد جديد يتم فيه التغلب على إخفاقات القوى التقليدية وتحقيق أمانيهم في التقدم والاصلاح والاستقرار، كما أيدت غالبية الصحف فكرة الحكم العسكري بوصفه يتمتع ببعض المزايا الإيجابية، وقد برّر مؤيدوا الانقلاب هذا الاجراء لحاجة الدولة للاستقرار و للانضباط أكثر من حاجتها للحرية 'كدولة ناشئة'.

وكانت أولى الاجراءات المتبعة للسلطة الجديدة حلّ البرلمان في نيسان وتشكيل لجنة دستورية لوضع دستور جديد ومشروع قانون انتخابي جديد والإعلان عن أن انتخاب رئيس الجمهورية سيتم بالاقتراع السري من الشعب بصورة مباشرة وليس عبر مجلس النواب، وذلك لابعاد القوى الحزبية عن الساحة السياسية، الأمر الذي سمح لفكرة المرشح الوحيد بالظهور، إذ تم الإعلان في تموز عن فوز الزعيم في الانتخابات الرئاسية بنسبة 99،99% ومنذ ذاك الوقت أصبحت تلك النسبة سُنّة جديدة يسير عليها جميع الحكام العرب .

وصول الزعيم لحكم سوريا بهذه الطريقة عززت من مخاوف السلطة اللبنانية وهي الكيان المشكل حديثاً من جسم الدولة السورية، وتتمثل هذه المخاوف من أن يتحالف القوميين السوريين مع الحكم العسكري في سوريا ضد هذا الكيان. ويعزز مخاوفهم هو رفض الطرفين الحدود بين البلدين واعتبارها مصطنعة وأن لبنان جزء طبيعي من البيئة والجغرافية السورية.

لهذا وبعد 'احداث الجميزة' المفتعلة في لبنان من قبل حزب الكتائب فيها والذي أقدم هذا الأخير وبدفع من السلطة اللبنانية لاحراق مقر الجريدة الرسمية للقوميين السوريين في بلدة الجميزة اللبنانية، بادرت سلطات الأمن إلى مداهمة مركز الحزب وبيوت محازبيه واعتقلت اعضاءه في لبنان والذين بلغ عددهم خلال أيام أكثر من 2500 عضواً .

نتيجة لذلك لجأ انطون سعادة زعيم ومهندس الحزب السوري القومي الاجتماعي  إلى دمشق بعد تلقيه ضمانات من حسني الزعيم بمنحه اللجوء السياسي كما شجعه ووعده بتسليح حزبه ومساندته في تحركه ضد الحكومة اللبنانية. عندها أعلن 'سعادة' بثقة مفرطة الثورة المسلحة ضد النظام في لبنان فهاجمت ميليشيا الحزب المخافر التابعة للدرك في عدة مناطق من لبنان .

ولم تستمر اسابيع قليلة حتى قام الزعيم وبدفع من محسن البرازي رئيس وزرائه وبالتنسيق مع السفارة الأمريكية في دمشق الى اعتقال سعادة وتسليمه الى السلطات اللبنانية ليتم إعدامه في حركة سريعة .

كان لإعدام 'سعادة' صدىً واضحاً في الشارع السوري وعلى الخصوص في قوى الجيش السوري ما كان سبباً في قيام بعض الضباط القوميين السوريين بدعم سامي الحناوي في انقلابه العسكري الذي قاده في 14 آب 1949وليقوم بحركة سرية وسريعة بإعدام كل من حسني الزعيم ورئيس وزرائه محسن البرازي في اشارة للثأر لمقتل انطون سعادة.

 

قام سامي الحناوي القائد الجديد للبلاد بإجراء انتخابات تشريعية في تشرين ثاني أسفرت عن نجاح 43 مرشحاً من حزب الشعب و42 مستقلاً نصفهم مناصرين لحزب الشعب ونجح جلال السيد الوحيد عن حزب البعث ومرشح واحد عن الحزب السوري القومي الاجتماعي و13 مرشحاً عن الحزب الوطني و4 مرشحين عن الجبهة الإسلامية من بينهم 'مصطفى السباعي' , و جاء 'اكرم الحوراني' المرشح الوحيد عن حزب الشباب.

فحدث نوع من الاستقرار السياسي في البلاد لكنه لم يستمر طويلاً بحكم الصراعات الاقليمية على سوريا و التي تغذيها النزاعات الحزبية، اذ سارعت السعودية بشكل واضح بدعم العقيد اديب الشيشكلي لانقلابه في 19 كانون الأول من نفس العام في انقلابه ضد الحناوي و الذي اقدم على اعتقاله وصهره اسعد طلاس .

كان الشيشكلي على علاقة وثيقة بمفهوم سورية الطبيعية المتعلقة يايديولوجيا الحزب السوري القومي الاجتماعي وآمن بدولة جمهورية غير طائفية، فهو يمتلك خبرة كافية تجعل الكل يتسابق لدعمه في انقلابه، فقد ساعد كلاً من حسني الزعيم في انقلابه ثم الحناوي ليرسم بعدها سقوط الحناوي المطالب بالاتحاد مع العراق.

لكن تغلغل حزب الشعب في البرلمان والسيطرة على غالبية مقاعده اضطر 'هاشم الاتاسي' الى تشكيل وزارة جديدة برئاسة 'الدواليبي' وبأغلبية من عناصر حزب الشعب مما هدد مواقع العسكريين داخل الحكم، فاعلن الشيشكلي انقلابه الثاني الذي اتهم في بلاغه الصادر بأن الجيش استلم زمام الأمن في البلاد وبأن حزب الشعب يتآمر على البلاد ويسعى الى تخريب جيشه، ثم ختم بلاغه بحله للبرلمان .

مع بداية العام 1952 اعلن الشيشكلي حظره لنشاط الحزب الوطني وحزب الشعب والاخوان المسلمين والحزب التعاوني الاشتراكي واغلاق مكاتبهم ، وأبقى على نشاط حزب البعث والحزب العربي الاشتراكي فقط ، لكن لم يأت نيسان حتى كان الحظر شاملاً لجميع الاحزاب دون استثناء . ثم اعلن عن تشكيله لتنظيم جديد في الخامس والعشرين من تموز باسم "حركة التحرير العربي" وعده الحزب الوحيد في البلاد ، إذ تعد هذه الحركة - وفق بيانها التأسيسي الصادر في حلب - أن العرب امة واحدة بتاريخ مشترك ، والقومية العربية هي اساس الحياة للشعب السوري .

وقد لقيت هذه الحركة بداية تشكلها تعاطفاً كبيراً في دمشق لكنها في الواقع ظلت خاملة عملياً لأكثر من عام بعد ولادتها فقد كانت حياتها مرتبطة بحياة زعيمها ومؤسسها ، وقد وجهت لها تهم شتى أقساها كان ميولها ﺇﻟﻰ ﺗﻨﻔﻴﺬ ﺃﻫﺪﺍﻑ ﺍﻟﻐﺮﺏ ﻓﻲ ﺳﻮﺭﻳﺔ.

في تلك الاثناء اجرى الشيشكلي استفتاء حول تعديل دستوري يمس شكل الحكم في البلاد والذي ينص على تحويل النظام الحكومي من نظام نيابي الى نظام رئاسي، ونجم عن هذا الاستفتاء الموافقة على التعديل ونجاح الشيشكلي المرشح الوحيد للرئاسة، وأبرز مؤيديه كانت حركته ورفاقه في الحزب السوري القومي الاجتماعي.

كذلك قام باصدار قانون جديد للانتخابات خفض فيه عدد أعضاء البرلمان إلى 82 عضو وسمح بعودة النشاط الحزبي باستثناء الحزب الشيوعي. وأجرى انتخابات قاطعتها القوى السياسية باستثناء حركة التحرير التي حصلت على 72 مقعداً، وسيطر القوميون السوريون الذين تقدموا بصفتهم مستقلون على المقاعد المتبقية، كما انتخب مأمون الكزبري رئيساً لمجلس النواب.

تراجع نسبي لليمين المحافظ وصعود ملفت لليسار

لكن تلك السياسة الفردانية التي انتهجها اديب الشيشكلي هو وحركته ولفيف من القوميين السوريين قد حددت مصيره، إذ دفعت في الرابع والعشرين من شباط لقيام حركة تمرد في الجيش ضد حكمه بدأت في حلب وما لبثت أن ايدتها كافة قطاعات الجيش، الأمر الذي دفع بالشيشكلي إلى مغادرة البلاد في اليوم التالي.

وبعد خروجه ﺗﻢ ﺣﻞ حركة ‏"ﺍﻟﺘﺤﺮﻳﺮ ﺍﻟﻌﺮﺑﻲ" ﻭﺍﻟﺘﺨﻠﺺ ﻣﻦ ﻛﻞ من له علاقة بالحكم السابق، وأُعلنت القوانين العرفية حتى عاد هاشم الاتاسي لرئاسة الجمهورية فشكل ﺑﻌﺪ خمسة أﻳﺎﻡ ﻣﻦ رحيل ﺍﻟﺸﻴﺸﻜﻠﻲ بداية آذار من العام 1954 ﻭﺯﺍﺭﺗﻪ ﺑﺮﺋﺎﺳﺔ ‏"ﺻﺒﺮﻱ ﺍﻟﻌﺴﻠﻲ"، فكانت هذه الحكومة مثار جدل لدى البعثيين لخلوها منهم، الأمر الذي دفع "ﺃﻛﺮﻡ ﺍﻟﺤﻮﺭﺍﻧﻲ" للمطالبة بتشكيل حكومة موسعة فتم على أثرها تعيين ‏"ﺳﻌﻴﺪ ﺍﻟﻌﺰﻱ" ﻛﺮﺋﻴﺲ ﻟﻠﻮﺯﺭﺍﺀ ﻭالذي بدوره ﺷﻜﻞ ﺣﻜﻮﻣﺔ ﻣﺼﻐﺮﺓ.

 ﺗﻤﻜﻨﺖ ﺍﻟﺒﻼﺩ خلال هذه الفترة ﻣﻦ إﺳﺘﻌﺎﺩﺓ ﺣﻴﺎﺗﻬﺎ ﺍﻟﺪﻳﻤﻮﻗﺮﺍﻃﻴّﺔ ﻓﻌﻠﻴًﺎ على ﺇﺛﺮ ﺗﻨﺤﻲ ﺃﺩﻳﺐ ﺍﻟﺸﻴﺸﻜﻠﻲ، حيث امتازت الحركة الحزبية في هذه المرحلة والتي هي جزء من ﻋﻬﺪ ﺍﻟﺠﻤﻬﻮﺭﻳّﺔ ﺍﻷﻭﻟﻰ بالمرونة و ﺑﺎﻟﺤﻴﺎﺓ ﺍﻟﺪﻳﻤﻮﻗﺮﺍﻃﻴﺔ ﻭالتداول السلمي للسلطة، وقد ساعدها في ذلك وجود نظام جمهوري برلماني أقرب ما يكون إلى التجربه البرلمانية الأوروبية منه إلى بلد نامي والتي أصبحت تجربة تحتذى للتطبيق في بلدان العالم الثالث، وقد شكل حزب الشعب والكتلة الوطنية عماد الحركة الحزبية والسياسية في هذه المرحلة، حيث أخذت أسهم الأحزاب ذات الايديولوجيا اليمينية وفي مقدمتها الحزب الوطني بالإرتفاع مع عودة الزعيم شكري القوتلي من منفاه في مصر ﻓﻲ السابع من يوليو /1954، لكن سرعان ما طفت على السطح منافسة حامية بينه و ﺑﻴﻦ ﺣﺰﺏ ﺍﻟﺸﻌﺐ الأمر الذي انعكس سلباً على شعبية كل منهما ما ﺃﺩﻯ ﻻﺿﻌﺎﻓﻬﻤﺎ ﻭ ﺳﻘﻮﻁ ﻫﻴﺒﺘﻬﻤﺎ في الشارع السوري. كما ساهم ذاك التنافس بإعطاء الأحزاب اليسارية دفعاً شعبياً فانقسمت الأحزاب السورية ولأول مرة في مسار الحركة الحزبية السورية إلى أحزاب تقدمية (يسارية) ورجعية (يمينية محافظة) ليتم في مراحل متقدمة توظيف هذه المصطلحات من قبل القوميين العرب وخصوصاً الناصريين مع ظهور المد الناصري في الساحة السورية والذي تم توظيفه في الانتخابات البرلمانية ذائعة الصيت ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻤﺖ ﻓﻲ 24 ﻭ25 ﺳﺒﺘﻤﺒﺮ 1954، وقد ﺗﺮﺍﺟﻊ ﺑﻨﺘﺎﺋﺠﻬﺎ ﺷﻌﺒﻴﺔ ﺍﻷﺣﺰﺍﺏ ﺍﻟﺴﻮﺭﻳﺔ ككل ومن كافة التوجهات ﻣﻘﺎﺑﻞ صعود الكتلة المستقلة واحرازها على 60 مقعداً وهي ﻓﻲ ﺍﻟﻐﺎﻟﺐ من الوجهاء والمشايخ ومن قادة المجتمعات المحلية والتي عدت ﺃﻛﺒﺮ ﻛﺘﻠﺔ ﻣﺴﺘﻘﻠﺔ ﻓﻲ ﺗﺎﺭﻳﺦ ﺍﻟﺒﺮﻟﻤﺎﻧﺎﺕ ﺍﻟﺴﻮﺭﻳﺔ. 

وقد حصل في ﻫﺬﻩ ﺍﻻﻧﺘﺨﺎﺑﺎﺕ حزب البعث على 22 مقعداً ﻭﺍﻟﺴﻮﺭﻱ ﺍﻟﻘﻮﻣﻲ الاجتماعي على مقعدين ﻓﻲ حين ﺣﺎﻓﻆ ﺍﻹﺧﻮﺍﻥ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ ﻋﻠﻰ ﻣﻮﻗﻌﻬﻢ ﺍﻟﺴﺎﺑﻖ ﺑﺄﺭﺑﻊ مقاعد. ﺑﻴﻨﻤﺎ ﺣﺼﻞ ﺣﺰﺏ ﺍﻟﺸﻌﺐ ﻋﻠﻰ المركز الاول بـ 30 ﻣﻘﻌﺪ ﻭ ﺍﻟﻮﻃﻨﻲ ﻋﻠﻰ 19.

وبهذه النتائج وحصول الكتلة المستقلة على هذا العدد من الأصوات وضعف وتراجع الأحزاب اليمينية بشكل واضح مع عدم قدرة أي حزب من حصد وتشكيل أغلبية برلمانية ولو بسيطة شكل ذلك أزمة سياسية أعطت اليسار وخصوصاً الاشتراكي منه قوة في التحرك في الشارع يساعده في ذلك نمو الاشتراكية العربية بتنامي مضطرد.

مسار الحزبية السورية خلال قرن من "الكوربوراتية"إلى محاولات الفكاك من إِسار الوطنية 1847 - 1949  1-4

مسار الحزبية السورية خلال قرن- سنوات اسقاط الوعي الاحتلالي 1946 - 1949 -2-4

 

 

 

تعليقات