حين خرجت «الدولة الإسلامية» من ملعبها

صورة حسين جمّو

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

29/8/2014
الحياة
المؤلف: 

كانت طائرات أميركية مقاتلة تقصف مواقع لتنظيم الدولة الإسلامية في شمال العراق لمنع حصول إبادة بحق الأقليات الإيزيدية والطوائف المسيحية في سهل نينوى وسنجار حينما كان جنود أبو بكر البغدادي يطلقون النار على عشرات الرجال والشبان المكبّلين من أبناء عشيرة الشعيطات في ريف دير الزور.

يقودنا هذا المشهد إلى استنتاج تدعمه أدلة كثيرة حول التغاضي الدولي عن عمليات القتل الجماعية التي تقوم بها الدولة الإسلامية في أماكن، وتجريد قوة جوية لإيقافها في أماكن أخرى.

للوهلة الأولى هناك تمايز بين الحالتين: أبناء العشائر السنية مهددون بالقتل الجماعي أسوة بالمسيحيين والإيزيديين، إلا أن خيار خلاصهم من القتل الجماعي يتطلب تغيير الولاء السياسي فقط للغالبية بعد محاسبة من لا يشملهم «العفو- التوبة». أما في حالة المسيحيين والإيزيديين وارتكاب عمليات قتل أو تهجير جماعية بحقهم فلا يكفي تغيير الولاء السياسي للنجاة بأنفسهم. المطلوب تغيير الدين نفسه إلى الإسلام بالنسبة للإيزيديين، ودفع الجزية بالنسبة للمسيحيين كأضعف الايمان. وبالتالي، اقترن التدخل الأميركي ضد الدولة الإسلامية في مناطق الأقليات في العراق – وليس كل العراق - بمصطلح «منع الإبادة»، وهو التعبير الذي كرره مسؤولو الإدارة الأميركية لدى كل حديث عن تبرير تدخلهم.

هذا المصطلح بات يرسم حدود التدخل الأميركي في الشرق الأوسط. منع إبادة من نوع أن يقوم تنظيم الدولة الإسلامية مثلاً بجمع ألف عائلة إيزيدية وقتلها جماعياً. أما غير ذلك فأمر لا يستدعي التدخل.

في الحوار الذي أجراه الصحافي الأميركي توماس فريدمان مع الرئيس باراك أوباما، أمكن تلمس ما هو أكثر من ذلك. كرر الرئيس الأميركي كلمات «سنة، شيعة، أكراد» مراراً في حواره. وحينما تطرق إلى تنظيم الدولة، قال: «لسوء الحظ، لا يزال لدينا داعش... التي أعتقد أنها لا تنال إلا جزءاً صغيراً من رضا السنّة العاديين، غير أنهم يملأون فراغاً، والسؤال لنا يجب ألا يكون عن مجرد كيف يمكننا التصدي لهم عسكرياً، ولكن كيف سنتحدث إلى غالبية سنية في تلك المنطقة».

ما يُفهم من هذا التوصيف أن أوباما يميل إلى اعتماد مفهوم «وحدة الجماعات» في العراق، سواء كانت طائفة (سنة – شيعة) أو قومية (أكراد – عرب)، ليس بمعنى التوصيف، إنما القيادة. ووفق هذه «الفرضية»، فإن التطاحن داخل الطائفة الواحدة من أجل قيادة الطائفة أمر مشروع وفق مبدأ «إمارة المتغلب» الذي يبدو أن أوباما يجده نموذجاً جيداً، له جذور عريقة في التاريخ الإسلامي، وسيرة الزعامات العشائرية حتى وقت قريب.

يكمن قلق الإدارة الأميركية في كيفية توحيد غالبية السنّة بعيداً من «داعش»، لكن في الوقت نفسه فإنها تخاطب الشيعة بالقول إنهم «أهدروا الفرصة»، في إشارة إلى كسب «داعش» قطاعات من السنة إلى جانبه وأن الإدارة الأميركية ليس من شأنها تمكين المالكي بالانتصار على خصومه السنّة المنخرطين في التنظيم المتطرف.

لكن، كيف أهدر الشيعة الفرصة؟ هنا نعثر على كلام أميركي يصاغ بعبارة «إشراك السنة في الحكم»، ولا يوجد في قاموس السياسة العراقية ما يوضح معنى هذه العبارة من دون تعدد الاجتهادات المتناقضة في تفسيرها. الواقع أن جزءاً كبيراً مما يشهده العراق ناتج من تغيير مبدأ الحكم البريطاني فيه: تسليم القيادة المستحدث نهاية الحرب العالمية الأولى إلى الطبقة السياسية السنّية. ويبدو غموض «إشراك السنّة في الحكم» تأففاً غير معلن من إلغاء تلك المعادلة البريطانية التي تطلب تحقيقها ضم الموصل إلى العراق، وأحد الأسباب الرئيسية لهذا الضم تحقيق نوع من التوازن الطائفي. المسكوت عنه سنّياً، وبالإجماع، أن إشراك الطبقة السياسية السنّية المدعومة شعبياً يطمح إلى حكم العراق على مبدأ «الطائفة المتغلبة»، لا أقلية ولا أكثرية. لذا، فإن أي صيغة «مشاركة» للسنّة في الحكم لن تكون كافية، وبالتالي فإن عبارة أوباما أن الشيعة «أهدروا الفرصة» تبدو نهائية: الوضع غير قابل للإصلاح.

هنا «داعش» تلعب لعبة إمارة المتغلب أمام أنظار العالم أجمع، وفي الوقت نفسه تخوض حرباً ضد الجميع، من دون أن يستدعي ذلك تدخلاً دولياً. حتى حربها على بغداد وقتلها جنود الجيش العراقي في عمليات إعدام جماعية لم يستدع ذلك الاستنفار الدولي مقارنة بهجمة «داعش» على سهل نينوى وسنجار.

الضربات الجوية الأميركية خطاب واضح موجه إلى «داعش»، ويتلخص بجملة: «ملعبك ليس هنا». ولا يعني هذا الذهاب في الخيال بعيداً بالقول إن تنظيم الدولة الإسلامية صناعة غربية أو استخباراتية عربية، فالأصح أنها مجموع العداوات بين مكونات البلد وفصائله العسكرية وتياراته السياسية، مضروباً بالتوحش في إدارة عمليات القتل المرافقة للتوسع. لكن المعادلة السابقة يمكن ان تتوافر في مناطق أخرى من العالم بسهولة، وفي بيئات مشابهة، لولا أن ما يسمى «المجتمع الدولي» محذوف في مفردات ما يجري في العراق وسورية. لقد حضر المجتمع الدولي عندما خرجت «الدولة الإسلامية» من الملعب الذي تمارس فيه حريتها المطلقة.

مسموح لـ «داعش» ارتكاب القدر الذي تشاء من المجازر ضد السنة، هذا هو حق الحرية الذي تمارسه بعيداً من التدخل الخارجي في «الشؤون الداخلية للسنّة». هكذا يُساق عصاة الدولة الإسلامية من عشيرة الشعيطات إلى الحُفَر لإعدامهم في حربها الخاصة التي تتفهمها الدول التي ينبغي عليها أن لا تتفهمها، حرب «الولاية على السنّة» التي باتت مناطقها على الخريطة، في جزء كبير منها، مساحات فارغة. لكن عملية ذبح الصحافي الأميركي جيمس فولي، وقبلها إذلال المسيحيين في سهل نينوى، يبدو أمراً غبياً بالمنطق السياسي، لأنها سلوكيات تحرج الولايات المتحدة، تستفزها للتحرك والقصف والبحث عن خيارات أخرى، وهو ما حدث ويحدث. لا غرابة في ذلك، فهي في النهاية اسمها «الدولة الإسلامية» بقيادة «أمير المؤمنين الخليفة إبراهيم»، وهي دولة لا تحتمل هذه الحرية الفارغة التي افترضنا أنها «ممتعة». والهدف التالي الذي بدأ وسيستمر هو «هدم الأسوار» المحيطة بملعبها لإشغال العالم بنفسها.

هي دولة حرب، وبالحرب وحدها تزيد من فرصة بقائها... وقد تتمدد إذا بقيت.