خطة "دي ميستورا" ملامحٌ لم تكتمل وبوادر الرفض انطلقت من مجلس محافظة درعا

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

30/12/2014
السورية نت
المؤلف: 

د. محمد قداح
شهدت الآونة الأخيرة العديد من التحركات السياسية الهادفة بشكلها المعلن، لإيجاد حل للأزمة المستعصية في سوريا، من أهمها الخطة التي اعتمدها المبعوث الدولي إلى سوريا "ستيفين دي ميستورا" والتي تقول بأن الحل في سوريا ينطلق من القواعد أولاً وبشكل تدريجي وصولاً إلى إيجاد حل شامل. وبشكل تطبيقي، تبنى "دي ميستورا" طرحاً ليس بجديد يتعلق بـ "تجميد القتال" في محافظة حلب فقط تمهيداً للانتقال بذات التجربة -في حال نجاحها- إلى محافظات سورية أخرى.

ولا شك بأن ما تسمّى مبادرة "دي ميستورا" تفتقر إلى عناصر المبادرة السياسية، ولا تعدو كونها جهداً دبلوماسياً ضمن جملة جهود تُبذل في المساحة الشاسعة لتعقيدات الملف السوري، إذ أنها تعبّر عن طرح دبلوماسي غير مكتوب -بالنسبة للمعارضة على الأقل- أو واضح في معالمه ينطلق من أسس نظرية ضبابية، من قبيل افتقاره إلى جدول زمني مضبوط أو خطوات محددة، وخلوّه من الضمانات، كذلك فهو يعامل نظام الأسد على أنه نظام شرعي، وفي الجانب الآخر تُعامل المعارضة -كما تشير الوقائع- على أنها طرف غير أساسي في وقت تتمتع فيه بالشرعية الدولية أولاً، وبالقوة العسكرية ثانياً.

أيضاً تُسجل العديد من الملاحظات على المبادرة من وجهة نظر واقعية. فهي من جهة أولى تعطي نظام الأسد الفاقد للشرعية مساحة من الوقت لإعمال دبلوماسية الأمر الواقع المتمثل بمعادلة (الأسد أو الإرهاب) تجاه المجتمع الدولي، ومن جهة ثانية تعدّ شرعنة لما بدأ به النظام مع شهر نوفمبر/ تشرين الثاني ٢٠١٣ بأن أعمل سياسة "المهادنة المنفردة" مع مناطق في محافظة دمشق بعد تجويعها وقتل أبنائها وضربها بالغازات الكيميائية بهدف التفرغ لمناطق أكثر سخونة وذات أهمية استراتيجية. ومن جهة ثالثة، ليس من المنطقي أبداً أن تنجح مبادرة أساسها "الثقة المتبادلة بين الأطراف"، في الوقت الذي يفتقد أحدها (أي نظام الأسد) لأي موثوقية تذكر، فهو لم ينفذ أياً من بوادر بناء الثقة التي اشترطتها المعارضة السورية لحضور مؤتمر جنيف ٢ الذي عقد في ٢٢ كانون الثاني/ يناير ٢٠١٤. ومن جهة رابعة، تنحاز المبادرة إلى الخارج السوري قبل داخله، دون أن تراعي مطلب شعبٍ قدم مئات الآلاف من الشهداء والضحايا على مدى أربع سنوات لإسقاط نظام الأسد الذي جلب الإرهاب وأحل الخراب وحول سوريا إلى مستنقع ميليشيات طائفية يتزعمها بنفسه.

إن الداخل السوري يشكك في مبادرة "دي ميستورا"، ويعتبرها معالجة تسكينيةً لا أفق لحلٍّ سياسي معها، وينظر إليها على أنها طرحٌ منحاز إلى نظام مستبد مجرم في مواجه ثورة تنادي بالحرية والعدالة والكرامة والسلام، وبدأت معالم رفضها تخرج من سوريا إلى العلن، كالبيان الصادر عن "مجلس محافظة درعا" بتاريخ ١٠ ديسمبر/ كانون الأول ٢٠١٤، والتصريحات الصادرة عن قادة عسكريين في الكتائب الثورية المقاتلة ضمن وسائل الإعلام المختلفة.

من الواضح أن الطرح الذي أتى به المبعوث الدولي إلى سوريا، غير مقبول لدى قوى الثورة السورية على عمومها، لأسباب كثيرة تتعلق بالمبادرة نفسها والظروف المحيطة بها. ولكن ما يعني الشعب السوري بالنتيجة هو استيفاء عناصر عدة وهي:

١- أن يكون الحل شاملاً غير مجزوء أو مقسّم، يقوم أولاً على رحيل بشار الأسد عن السلطة.

٢- أن يكون هذا الحل شفافاً وواضحاً، ومحدداً بجدول زمني وذو مرجعية.

٣- أن تتوفر الضمانات الكافية وفق قرارات ملزمة صادرة عن مجلس الأمن الدولي.

إن أهل الجنوب السوري يسألون دائماً عن الفرق بين "دي ميستورا" الذي يسعى إلى حلب، و"الابراهيمي" الذي تحمس لمبادرات الهدن الدمشقية الهشة الظالمة التي لم تمثل تلاقياً سياسياً في المصالح على الإطلاق، لأن من فرضها هو الظروف المعيشية الصعبة فقط وحاجة الأسد لمساحة من الوقت والشرعية. ويستفسر أولئك عمّا إذا كان يعلم الأول بحاجة الأسد لمحاصرة درعا والقنيطرة والاستفراد بهما، كما كان يعلم الابراهيمي بأن فشل جنيف ٢ سيعني التحول نحو إخراج منكوبي حمص المحاصرة باتفاق يقع فيما دون جنيف كلها.