خطة سرية وراء صفقة القرن يلعبها كوشنر ونتنياهو.. تسريبها لم يأت من فراغ، والأخطر أنها قد تخرج عن مسارها

تأخير الكشف عن الخطة قد يكون له علاقة بالانتخابات الإسرائيلية -مصدر الصورة: رويترز
الاثنين 13 مايو / أيار 2019

دأب جاريد كوشنر، الصهر الأول لدونالد ترامب، على إثارة أعصاب المراقبين بالحديث عن خطة لم يُعلن عنها بعد، لحل الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني لفترة طويلة للغاية، يصعب معها تذكر متى بدأت هذه الإثارة.

وبدا أن الأمر تدريب على كسب الوقت، فقد كان جدول كوشنر محكوماً، ربما أكثر من أي شيء آخر، بالانتخابات الإسرائيلية الأخيرة، بحسب موقع Lobe Log الأمريكي.

تأخير الكشف عن الخطة قد يكون له علاقة بالانتخابات الإسرائيلية  

إذ كان الأفضل لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ألَّا يتحدث قبل التصويت عن أي مقترح من واشنطن قد يُلمح ولو بشكل بسيط إلى شيء يمكن تفسيره على أنه تنازل إسرائيلي.

والآن بعد انتهاء هذه الانتخابات، من المنتظر أن يكون الكشف الكبير قريباً، فقد أشار كوشنر إلى ذلك في لقاء عقده مؤخراً في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، كما ذكر في مناسبات سابقة أنه قد يكشف عن صفقة القرن بعد شهر رمضان، الذي ينتهي في الأسبوع الأول من شهر يونيو/حزيران.

الخطة التي تم تسريبها عبر صحيفة إسرائيلية تتفق مع الاحتمالات والتسريبات السابقة

ظهر تسريب مزعوم للخطة قبل بضعة أيام في صحيفة Yisrael Hayom الإسرائيلية، ولم تؤكد الصحيفة صراحةً صحة ما أوردته، وبدَّد جيسون غرينبلات، المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط ورفيق كوشنر في إدارة ترامب، التقريرَ باعتباره «غير دقيق» و «مجرد تكهنات».

لا ينبغي أن ينساق أي تحليل وراء هذا التسريب، لكن الخطة المزعومة تتفق مع معظم الأقاويل والاحتمالات السابقة.

حل القضية الفلسطينية قائم على حلَّين لا ثالث لهما، وإسرائيل غير مستعدة لتطبيق أي منهما

إن الملامح الأساسية للنزاع الإسرائيلي-الفلسطيني، والاحتمالات القائمة لحلِّه معروفة جيداً منذ زمن طويل. ويتمثل الحلّان المتاحان في حلِّ الدولتين، الذي يستلزم تأسيسَ دولة فلسطينية أغلب سكانها من العرب، إلى جانب دولة إسرائيلية ذات أغلبية يهودية، أو حل الدولة الواحدة، الذي يستلزم توفير حقوق سياسية ومدنية متساوية لجميع سكان الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل حالياً.

هذان هما الحلان الوحيدان القائمان، ولا يُعتبر أي شيء آخر حلاً للصراع، بل مجرد إطالة له، وإخضاع شعب لآخر، وهو ما يتسم به هذا الصراع.

لكن ذلك يصطدم بهذه المعضلة الثلاثية التي يتناولها كثيرون: دولة يهودية، ودولة ديمقراطية، ودولة تسيطر على كل الأراضي الواقعة بين البحر المتوسط ونهر الأردن، والتي يمكن لإسرائيل أن تطبق شيئين فقط منها.

يتمتع حل الدولتين بجاذبية، كونه الأقدر على تحقيق كامل التطلعات القومية لكل من اليهود الإسرائيليين والفلسطينيين العرب. وسيفي أيضاً بميثاق المجتمع الدولي لمستقبل فلسطين، والعودة إلى قرار تقسيم فلسطين الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1947.

وعلى أي حال، لا يوجد أي احتمال في السياسة الإسرائيلية الحالية يشي بتحركها نحو المساواة في الحقوق للجميع، الذي سيكون أمراً ضرورياً لحل الدولة الواحدة.

حتى كوشنر لا يحبذ حل الدولتين ما يعني أن القضية الفلسطينية ذاهبة إلى صراع طويل الأمد

لكن كوشنر بدوره، مثلما تشير بعض تصريحاته في معهد واشنطن، لا يحبذ حل الدولتين أيضاً. ومن الواضح أن مقترحه ينطوي على إطالة أمد الصراع  الإسرائيلي-الفلسطيني، وليس حله، بحسب الموقع الأمريكي.

ويتمثل أحد المعالم الرئيسية للخطة التي وردت في التقارير في دفع عرب الخليج إلى تقديم ما يكفي من المساعدات، لجعل الحياة الفلسطينية في الضفة الغربية أقل صعوبة مما هي عليه الآن. تُصوِّر الخطة المزعومة المنشورة في صحيفة Yisrael Hayom كياناً يسمى «فلسطين الجديدة»، لا يرقى إلى مقومات الدولة.

سيتألّف هذا الكيان من مناطق صغيرة منفصلة في الأراضي الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، بل سيتعين على «فلسطين الجديدة» أن تدفع لإسرائيل لامتلاكها القوة العسكرية الوحيدة في المنطقة. ومثلما أشار جوناثان كوك في دراسة مفصلة للوثيقة المسربة، لا يُعتبر هذا التصور سوى تعديل بسيط للوضع الراهن. ولن تكون «فلسطين الجديدة» سوى نسخة مُعدلَّة قليلاً من السلطة الفلسطينية الحالية التي لا حول لها ولا قوة.

يسير كوشنر في الإطار الذي رسمته إدارة ترامب في تعاملها مع القضية الفلسطينية

مسار هذا المقترح ليس مفاجئاً بالنظر إلى السياسة العامة التي تتبعها إدارة ترامب في المسائل المتعلقة بإسرائيل والفلسطينيين في الوقت الحالي. وتتمثل تلك السياسة في منح حكومة نتنياهو كل ما تريده، ومعاقبة الفلسطينيين وصدّهم بكل الطرق الممكنة.

وشمل هذا النهج العقابي، مؤشراً على أن الإدارة لا ترغب حتى في التحدث مع الفلسطينيين، وكان ذلك واضحاً في إغلاق القنصلية الأمريكية في القدس (التي كانت تقوم مقام البعثة الدبلوماسية الأمريكية الفعلية إلى الفلسطينيين) والمكتب الدبلوماسي الفلسطيني في واشنطن.

ومن السهل تفنيد النظريات التي حاولت واشنطن تصوير بعض هذه التحركات بأنها في إطار عملية السلام. على سبيل المثال، لم يؤد إعلان الإدارة للسيادة الإسرائيلية على القدس بأكملها ونقل السفارة الأمريكية هناك إلى إبعاد قضية القدس عن «مائدة التفاوض»، بل أدى إلى دفع المائدة بأكملها نحو طرف واحد من طرفي النزاع، وإبعادها عن الطرف الآخر، وربما تكون المائدة قد تحركت، لكن المشكلة لا تزال متفاقمة.

خطة أخرى وراء الخطة التي سيُعلن عنها كوشنر تستند إلى افتراض

وطبيعة المقترح أيضاً ليست مفاجئة، بالنظر إلى ارتباط كوشنر الشخصي القديم بإسرائيل وبالقيادة الإسرائيلية الحالية. إذ نام كوشنر ذات مرة، في سنوات مراهقته، بالقبو حتى يتمكن ضيفهم بنيامين نتنياهو، وهو صديق شخصي لعائلة كوشنر، من النوم في غرفة غاريد. وشملت الروابط العائلية الأخرى العديدة الدعم الصريح للمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة.

من الواضح أن الخطة الكامنة وراء الخطة التي سيُعلن عنها كوشنر، تستند إلى افتراض ربما يكون صحيحاً، وهو أن الزعماء الفلسطينيين سيسارعون إلى رفض مقترح كوشنر.

بعدها تروج حكومة نتنياهو وإدارة ترامب بأن الفلسطينيين يرفضون عروض إحلال السلام، وعندها يكون بإمكان الحكومة الإسرائيلية الانطلاق بأقصى سرعتها في بناء مستوطنات جديدة بالضفة الغربية وتعزيز السيطرة الإسرائيلية على الأراضي.

وحتى لو وافق الفلسطينيون على الصفقة فستكون مبادرة سياسية انتحارية وغريبة، ولن يحل ذلك الصراعَ

فالتاريخ، خاصة، في أذهان الفلسطينيين المتمثل بالنزوح الكبير أو نكبة عام 1948، وكذلك الاحتلال الناشئ عن حرب يونيو/حزيران عام 1967، لا يُنسى مثلما يتضح في تاريخ عديد من الصراعات الأخرى.

إذ لا تتبدد التطلعات القومية برشوة أصحاب هذه التطلعات. وحتى مع وجود الرشوة، لا تزال آلام ومشاعر الإحباط إزاء القهر قائمة. وحتى لو كان لزاماً على الضفة الغربية أن تظل هادئة بعض الوقت، فإن السجن المفتوح المعروف بقطاع غزة لن يظل كذلك، مثلما ذُكِّر العالم مؤخراً.

الآثار المدمرة للصفقة لن تكون محدودة في ساحة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي

ولا تقتصر الآثار المدمرة على ساحة الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، بل تزيد الخطة من اعتماد إدارة ترامب على الأنظمة الديكتاتورية العربية، بحسب وصف الموقع الأمريكي.

إذ من المفترض أن توفر ممالك الخليج الجزء الأكبر من أموال إعمار فلسطين. ووفقاً لنسخة الخطة التي سُربت مؤخراً، سيؤجر الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي الأراضي في سيناء المصرية، لاستخدامها في بناء مطار ومنطقة صناعية بجوار قطاع غزة.

هذا الاعتماد الزائد على الأنظمة العربية يعني أن إدارة ترامب ستنصاع لمطالب هذه الأنظمة أكثر مما فعلت في السابق، ويشمل ذلك، بالنسبة لمصر، المحاولة الحمقاء لإعلان جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية.

أما بالنسبة للسعودية والإمارات، فهذا يعني استمرار دعم الحرب الكارثية في اليمن، واتخاذ خطواتٍ من شأنها زيادة خطر اندلاع حرب بين أمريكا وإيران.

لكن في الوقت نفسه قد تسير الصفقة باتجاه لا يتمناه كوشنر

تتمثل إحدى الطرق التي قد تؤدي إلى دفع خطة كوشنر بدرجة أكبر في اتجاه لن يكون ذلك الذي يرغب فيه كوشنر والإدارة، في تشجيع التيار اليميني الإسرائيلي بدرجة أكبر بكثير، أكبر حتى من التشجيع الذي قدمته سياسات ترامب بالفعل، والذي تَمكّن معها من ضم أجزاء كبيرة من الضفة الغربية إلى السيادة الإسرائيلية رسمياً، والكف عن الادعاءات الزائفة التي اتسمت بها المواقف الإسرائيلية في الصراع مع الفلسطينيين لوقت طويل.

وقد عارض مضيف كوشنر في معهد واشنطن، المدير التنفيذي روبرت ساتلوف، الخطة لهذا السبب، حيث يتوقع ساتلوف تسلسلاً تؤدي فيه خطة كوشنر إلى ضم أراضٍ إلى سيادتها؛ وهو ما سيؤدي إلى حشد الدبلوماسية الدولية ضد التصرفات الإسرائيلية، وانخفاض الدعم العلني الأمريكي لإسرائيل، إضافة إلى مجموعة أخرى من العواقب مثل استغلال النظام السعودي الموقف لتحقيق أغراضه التي لا تثير الإعجاب كثيراً.

لذلك، نتنياهو سيفضّل الحفاظ على الوضع الراهن الغامض

ستكون عديد من التطورات السياسية المرتبطة بهذا التسلسل بين نتنياهو وأعضاء ائتلافه اليميني الأكثر تطرفاً من رئيس الوزراء الإسرائيلي نفسه.

ومن ملاحظات ساتلوف الدقيقة قوله إن «نتنياهو الماكر، الذي يحب تفادي المخاطر، يفضل على الأرجح إيجاد طريقة للحفاظ على هذا الوضع الراهن الغامض، والذي تحتفظ فيه إسرائيل بالسيطرة الأمنية على الضفة الغربية بأكملها، وتمد قنوات دعم لعديد من المستوطنات الإسرائيلية القائمة، مع الوضع في الاعتبار الاحتمال الضعيف وهو التوصل لحل دبلوماسي مع السلطة الفلسطينية في رام الله».

قد يكون هذا المنطق وراء التسريب الأخير. وصحيفة Yisrael Hayom من الصحف التي تُوزَّع مجاناً والتي اشتراها ملك الكازينوهات رجل الأعمال الأمريكي شيلدون أديلسون لدعم صديقه نتنياهو، والتي تُعتبر إلى حد كبير، الناطقة باسم نتنياهو.

لذا من غير المرجح أن هذه الوثيقة المُسرَّبة قد نُشرت دون موافقة نتنياهو، بل ربما نُشرت بإيعاز منه. والتفسير الأكثر منطقية هو أن رئيس الوزراء الإسرائيلي قد قدَّر أن الهجوم على الكشف الفج لخطة كوشنر بتفاصيلها كاملةً سيؤجل مرة أخرى إعلانها الرسمي، ويُمكِّن حكومته من الاستمرار إلى أجَل غير مسمى، في وهْم التوصل إلى قرار دبلوماسي نهائي مع تعزيز سيطرتها على الأراضي المحتلة.

ويؤيد ساتلوف رئيسَ الوزراء الإسرائيلي في هذا الشأن، ويبدو راضياً عن الوضع الراهن الغامض. لكن هذا الوضع الراهن يعني استمرار القهر والصراع وإراقة الدماء، ويعني إطالة أمد الصراع بدلاً من حله. وهو ليس أفضل البدائل المتاحة، لكن البديل الأفضل لن يظهر إلا في حالة تبديد إسرائيل للغموض، ومواجهة المعضلة الثلاثية مواجهةً مباشرةً، واختيار الديمقراطية كأحد الأمرين اللذين عليها تبنّيهما.

في غضون ذلك، سواء كان الوضع الراهن سيمتد إلى الأشهر المقبلة أو سيتغير قليلاً في ظل خطة كوشنر، ستواصل إسرائيل، مثلما قال نتنياهو، «انتهاج العنف». وهذا ليس سلاماً.

المصدر: 
عربي بوست