خوفان لا يصنعان أمناً

صورة صقر أبو فخر

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

31/ 07/ 2014
العربي الجديد
المؤلف: 

ثلاثة لا أمان لهم: السلطان والبحر والزمان. أما السلطان، فهو مثل راكب الليث؛ تهابه الناس وهو لمركبه أهيب. هكذا هي صورة المشرق العربي: الجميع خائف، وكل جهة تسعى إلى التفتيش عن الأمان أو الحماية.

فالسعودية خائفة من الحوثيين عند حدودها مع اليمن، ومن الشيعة في المنطقة الشرقية، ومن النفوذ الإيراني في سورية ولبنان، فضلاً عن العراق والخليج. وهي خائفة من نقصان الدلال الأميركي لها، وازدياد الغزل الغربي مع طهران. ومصر أيضاً خائفة من الإخوان المسلمين، حتى بعد خسارتهم الحكم، وخائفة من المجموعات الإرهابية في سيناء، ومما يجري على مجرى النيل (سد النهضة)، ومن تراجع مكانتها الاستراتيجية في العالم العربي، ومن فوضى ما بعد ثورة 30 يونيو/حزيران 2013، ومن مزاحمة تركيا لها على دورها التاريخي. والنظام السوري خائف بلا ريب، مع أنه يثير الخوف في جميع أرجاء سورية، وهذا الخوف يسربل الطوائف السورية كلها، والإثنيات والقوميات معها. ولبنان منغمر في الخوف؛ فكل طائفة تخاف الطائفة المجاورة، والجميع يريد أمنه أولاً، وحماية جماعته خارج نطاق الدولة. أما العراق فهو مصنع الخوف والعنف معاً.

هل يعود المشرق العربي، والحال هذه، إلى حقبة الاستعمار، وإلى عصر حماية الأقليات من الخارج؟ لمَ لا؟ فقد كانت بريطانيا تحمي الدروز والبروتستانت واليهود، وتحمي روسيا الأرثوذوكس، والدولة العليّة العثمانية هي دولة السُنّة. ولن يتغير الأمر كثيراً اليوم؛ فإيران ستحمي الشيعة، ودولة الخلافة ستحمي السُنّة، وتركيا تُفرد جناحها على التركمان، وأميركا لحماية الأكراد؛ أما المسيحيون والصابئة فسيجدون حمايتهم في المهاجر البعيدة. وإذا كانت "المسألة الشرقية" بدأت مع فشل حصار فيينا في سنة 1683، وانتهت بسايكس - بيكو سنة 1916، فإن زيارة أنور السادات القدس في 1977 تعادل، عربياً، هزيمة تركيا في الحرب العالمية الأولى. فمنذ تلك الزيارة، راحت مصر تفقد مكانتها ودورها بالتدريج، مع أنها، كما يقول جمال حمدان في كتابه "شخصية مصر" (القاهرة، 1980)، "قوة بر بجسمها النهري، لكنها بسواحلها قوة بحر. وتبدو بجسمها النحيل مخلوقاً أقل من قوي، لكنها برسالتها التاريخية تحمل رأساً أكثر من ضخم... هي فرعونية بالجد، لكنها عربية بالأب". وبهذا المعنى، فإن مصر لا يمكنها أن تكون ذات مكانة من دون رسالة، ومن دون العروبة. وحتى الأمن القومي لمصر، يقوم على ثلاث ركائز هي: منابع النيل، وبلاد الشام (فلسطين هي معبر مصر إلى الشام) وباب المندب. ولا تستقيم رسالة مصر، وكذلك دورها، من دون هذه الركائز. ولو فُقدت واحدة منها، تصبح مصر عرجاء أو شوهاء، وهذا ما حصل فعلاً بعد زيارة السادات القدس، حين أدار ظهره إلى قضية فلسطين، وأخرج مصر من الصراع العربي – الإسرائيلي، وانفرد بحلٍ، لمصر وحدها، من دون بقية العرب، ومع ذلك، لم يكسب لا تنمية لمصر، ولا رفاهية لشعب مصر، بل مزيداً من الفقر والرثاثة والاضطراب السياسي.

هل تعود مصر مع المشير عبد الفتاح السيسي إلى ثوابتها التاريخية، كي تتمكن من استعادة مكانتها المفقودة ودورها الضائع؟ لا يبدو الأمر على هذا النحو، بل ثمة تلاعب بهذه الثوابت، لغايات تتعلق بالنظام السياسي وبقائه، وليس بالمصلحة العليا لمصر. فبدلاً من إعادة صوغ هذه الثوابت، استناداً إلى المتغيرات الهائلة في المنطقة، فإن النظام الجديد يسعى إلى تأمين جناحين له، هما الجزائر والسعودية، والغاية حماية النظام. ومصر، بهذين الجناحين، لا يمكنها أن تُقلع نحو الأمان البتة. فالتحالف مع الجزائر من شأنه أن يخنق جزئياً إرهاب الجماعات الإسلامية المنطلق من ليبيا إلى سيناء. والتحالف مع السعودية، علاوة على فوائده المالية للحكم الجديد، من شأنه أن يزحزح تركيا، ولو قليلاً، عن التأثير الفوري في شؤون المشرق العربي. غير أن هذا النظام العسكري برهن أن أداءه في أثناء العدوان الإسرائيلي على غزة كان مثيراً للخيبة والامتعاض وللهزء معاً. والسبب واضح تقريباً؛ فالخوف لا يصنع رؤية سياسية، بل ربما يؤدي إلى كوارث، خصوصاً إذا تحالفت الثروة مع العسكر، وهو ما يحدث في برّ مصر اليوم.