خيارات بغداد وأربيل

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

27/10/2017
العربي الجديد
المؤلف: 

لم تتوقف القوات العراقية عن التوغل داخل إقليم كردستان، بعد أن بسطت سيطرتها ليلة منتصف الشهر الحالي على مدينة كركوك، وبات الحديث متداولا بقوة عن توجه من الحكومة المركزية في بغداد إلى إعادة الوضع في الإقليم إلى ما كان عليه في عام 2003، عشية سقوط نظام الرئيس السابق صدام حسين.
في ظل التقدم اليومي للقوات العراقية، وما يرافقه من توتر نفسي وتعبئة في المعسكرين الرسمي والكردي، تتشكل حالة من القلق في أوساط محلية وخارجية، من أن تقود حالة الاستنفار المتنامي إلى مواجهة عسكرية، غير محسوبة العواقب بالنسبة للطرفين.
يبدو أن الصدام العسكري يشكل حلا لأطرافٍ في الجهتين، ولكنه لن يكون أمرا سهلا بالنسبة للغالبية العظمى في الداخل والخارج، نظرا إلى أن نتائجه سوف تكون كارثية، وليست في صالح أحد.

يحاول الأكراد، رسميا، أن يبقوا في موقف دفاعي. ولهذا السبب، لم يشتبكوا مع القوات العراقية ومليشيا الحشد الشعبي حتى الآن، ولكن ضبط النفس هذا قد لا يصمد حتى نهاية المطاف، وفي حال فتح طرف كردي مواجهة عسكرية لمنع القوات العراقية من التقدّم إلى بعض النقاط الحساسة، مثل المعابر وآبار نفط محددة، والحيلولة دون تجاوز حدود دستور 2005، فقد يخلط ذلك الأوراق داخل الصف الكردي، بسبب وجود معسكر كردي في السليمانية، يميل إلى طرف حكومة بغداد، وعلى صلةٍ وثيقةٍ مع إيران، وهو يرفع الصوت عاليا، من أجل التسليم بشروط بغداد، وقد بدأ هذا التيار يحظى بالتفافٍ شعبيٍّ من شارعٍ صار يرى في الاستفتاء خطأ، ويريد تجاوز آثار الأزمة من خلال المسارعة إلى فتح حوار بنّاء مع بغداد.

وفي حال كانت القوات العراقية هي المبادرة إلى الخيار العسكري، فسوف يقود ذلك إلى توحيد الصف الكردي ضدها، وبالتالي لن تكون العملية سهلة، وهذا أمر تدركه القيادة العراقية التي يصعب عليها اليوم شن حرب جديدة بعد الحرب التي خاضتها ضد "داعش"، لا سيما وأنها لم تصل إلى ختامها بعد، ذلك أن هناك جيوبا غير قليلة بحاجة إلى تنظيف في مناطق عديدة، وخصوصا الحدود مع سورية وأعالي الفرات.

وبالإضافة إلى ذلك، لن يكون في صالح الحكومة العراقية استعادة حدود 2003 بالقوة العسكرية، وسيجري النظر إليه من الخارج على أنه انقلاب على الدستور العراقي الذي تم وضعه عام 2005، وجرى بموجبه رسم حدود إقليم كردستان، عدا عن أن استخدام الجيش العراقي ضد الأكراد، وهم جزء من الشعب العراقي، أمر مخالفٌ للدستور الذي قام على بناء نظام فيدرالي، يستند إلى اقتسام للسيادة والسلطة والثروة، وكل ما يتعارض مع ذلك سوف تعتبره الأطراف الدولية بمثابة مغامرة.

الجانب المذهبي أحد المآخذ على الحكومة العراقية في هذه المواجهة، وكان نافرا بصورة قوية في الأيام الأولى منها، ومع أن قوات الحشد الشعبي تعد رديفا للجيش العراقي، وفق قرار من البرلمان صوّت عليه الأكراد أنفسهم، فإن تحرّكها في اتجاه كركوك كان ذا صبغة مذهبية في الشكل والمضمون، فالرايات الشيعية المرفوعة على مدرعات الحشد الشعبي تفضح دورها، في الوقت الذي بات مؤكدا فيه أن إيران لعبت الدور الأساسي في عملية تسليم كركوك للحكومة العراقية.

الأمر الذي بات مؤكدا أن تغيير الخارطة العراقية غير وارد في المدى المنظور، وهذا يؤكد سقوط حسابات كردية راهنت، في العراق وسورية، على أن الحرب ضد "داعش" فتحت الطريق نحو خارطة جديدة يكون للأكراد فيها وضع خاص برعاية أميركية، والدرس الذي سيبقى أمامنا طويلا أن واشنطن لم تساند الانفصال في العراق، على الرغم من أنها دعمت تشكيل إقليم كردستان داخل الدولة العراقية.

تعليقات