داود أوغلو: كيسنجر تركيا أم مصرِّف أعمال أردوغان؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

29/8/2014
القدس العربي
المؤلف: 

يوم أمس ترجل رجب طيب أردوغان، الرئيس التركي المنتخب، عن منصب رئيس الوزراء، بعد أن شغله طيلة 11 سنة؛ لصالح أحمد داود أوغلو، وزير خارجيته السابق، الذي انتُخب أيضاً رئيساً لـ»حزب العدالة والتنمية»، الحاكم. وفي خطبته امام المؤتمر، شدّد أردوغان على أنّ داود أوغلو «ليس مصرِّف أعمال، وعلى الجميع أن يعرف. هذا ليس تغييراً في المهمة، أو في روح قضيتنا أو في مُثُلنا. نحن اليوم نغيّر الأسماء فقط». من جانبه كان داود أوغلو قد حرص على تشديد مماثل، منذراً الجميع بعدم المراهنة على أيّ خلاف مع «رئيسي أردوغان».

وقد تثبت الأيام القادمة أنّ هذه سوف تكون الحال، بالفعل، على الأصعدة كافة؛ سواء تلك التي تخصّ الأوضاع التركية الداخلية، الاجتماعية والاقتصادية تحديداً، والتي كانت شغل أردوغان الشاغل؛ أو تلك المتصلة بسياسة تركيا الخارجية، ومواقفها الإقليمية والدولية، والتي لم يغب عنها أردوغان تماماً، وإنْ ظلت ميدان داود أوغلو المركزي. بيد أنّ الحرص على استمرار هذه الحال أمر مختلف، جوهرياً، عن إمكانية بقائها أو تثبيتها وكأنّ المشهد بأسره يمكن أن يعود إلى، أو يعيد إنتاج، الشروط العامة، الداخلية والخارجية، ساعة مجيء داود أوغلو إلى وزارة الخارجية، في أيار (مايو) 2009.

ثمة، أولاً، الملفّ السوري بكلّ تعقيداته التي ترافقت مع الانتفاضة الشعبية، في آذار (مارس) 2011، والتي أنهت سنوات العسل بين نظام بشار الأسد و»حزب العدالة والتنمية». وثمة، بالترابط مع هذا الملفّ، هواجس أقليمية قديمة، مع إيران أساساً، ثمّ «داعش» ومفاعيلها، ومآلات التسوية التركية مع «حزب العمال الكردستاني»، الـ PKK. ولا تغيب إسرائيل عن المشاغل التركية، ضمن شبكة مواقف أعرض تخصّ «حماس» والفلسطينيين، كما تتقاطع مع مصر عبد الفتاح السيسي، ودول الخليج العربي ضمن مناخات التوتر الراهنة. ولقد كانت القصدية واضحة، وعالية تماماً، في خطبة داود أوغلو أمام مؤتمر الحزب، قبل أيام، حين خصّ سوريا وفلسطين والعراق بالاسم، مذكّراً بموقع تركيا الإقليمي، وملوّحاً بأدوار إمبراطورية، متغنياً بالرسول العربي أسوة بالسلطان العثماني…

والحال أنّ داود أوغلو كان المهندس الحقيقي للسياسة الخارجية لتركيا، حتى قبل تعيينه وزيراً للخارجية، أو بالأحرى منذ أن تولى «حزب العدالة والمساواة» الحكم نتيجة الانتخابات التشريعية، في تشرين الثاني (نوفمبر) 2002. وبعد أسابيع قليلة على ذلك الحدث، كان عبد الله غل، رئيس الوزراء آنذاك والرئيس التركي لاحقاً، قد عيّن الرجل مستشاراً خاصاً للشؤون الخارجية، ومنحه صفة سفير فوق العادة. وحين تولى أردوغان رئاسة الوزارة، أبقى على داود أوغلو في الموقع ذاته، قبل أن يقرّر أنّ مكانه الطبيعي هو الخروج علانية إلى منصب وزير الخارجية، وليس ممارسة المهامّ إياها من خلف الكواليس.

وهذا الرجل، 55 سنة، القادم إلى السياسة من الحياة الأكاديمية، إذْ كان أستاذاً للعلاقات الدولية في الجامعة الإسلامية العالمية في ماليزيا، وفي جامعتَيْ مرمرة وبيكنت في تركيا؛ ظلّ يعتمد مقاربة بسيطة في إدارة السياسة الخارجية التركية، قائمة على مبدئين ليس أكثر. ولقد سبق له أن ناقش خطوطهما العريضة في كتابه الشهير «العمق الستراتيجي: موقع تركيا الدولي»، الذي صار قراءة إلزامية لكلّ دبلوماسي على صلة بالشأن التركي، رغم أنّ الكتاب غير متوفر في أيّ من اللغات الإنكليزية أو الفرنسية أو الألمانية.

المبدأ الأول هو أنّ على تركيا أن تقيم الروابط الوثيقة ليس مع أوروبا والولايات المتحدة فقط، رغم أهمية هذه العلاقات، بل يتوجب تطوير علاقات متعددة المحاور مع القوقاز والبلقان وآسيا الوسطى والشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب شرق آسيا والبحر الأسود وكامل حوض المتوسط. ذلك لأنّ تركيا ليست مجرّد قوّة أقليمية، في نظر داود أوغلو، بل هي قوّة دولية ويتوجب عليها أن تتصرّف على هذا الأساس، فتعمل على خلق منطقة تأثير تركية ستراتيجية، سياسية واقتصادية وثقافية.

المبدأ الثاني كان اعتماد سياسة «الدرجة صفر في النزاع» مع الجوار، من منطلق أنه أياً كانت الخلافات بين الدول المتجاورة، فإنّ العلاقات يمكن تحسينها عن طريق تقوية الصلات الاقتصادية. وفي الماضي كانت تركيا تحاول ضمان أمنها القومي عن طريق استخدام «القوّة الخشنة»، «لكننا نعرف اليوم أنّ الدول التي تمارس النفوذ العابر لحدودها، عن طريق استخدام ‘القوة الناعمة’ هي التي تفلح حقاً في حماية نفسها»، كما ساجل داود أوغلو في كتابه المشار إليه سابقاً. وهو، على أساس هذا المبدأ، ظلّ واثقاً من أنّ الحاجة متبادلة تماماً بين أوروبا وتركيا: «بقدر ما صارت أوروبا محرّك سيرورة التغيير في تركيا، بقدر ما ستصير تركيا محرّك تحويل للمنطقة بأسرها».

ويتوجب الإقرار بأنّ هذه المقاربات أعطت نتائج دراماتيكة في علاقات تركيا مع جميع جيرانها تقريباً، وعلى حدودها الأوروبية والآسيوية، وخارج تلك الحدود أيضاً؛ كما في الدور الذي سعت إلى لعبه في لبنان حين شاركت في قوّات الأمم المتحدة التي نُشرت هناك بعد العدوان الإسرائيلي صيف 2006، وفي احتضان مفاوضات النظام السوري غير المباشرة مع إسرائيل، وفي إقامة علاقة ثلاثية مع إسرائيل والسلطة الوطنية الفلسطينية وحركة «حماس»، ثمّ القيام بجهود ميدانية مكوكية للتوصل إلى وقف لإطلاق النار أثناء العدوان الإسرائيلي على غزة مطلع العام 2009؛ واكتساب شعبية واسعة في الشارع العربي بسبب انسحاب أردوغان من سجال مع الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريس في ملتقى دافوس. هذا بالإضافة إلى دور تركيا المتزايد في أفغانستان والباكستان والهند.

ولعلّ خير ثمار هذه «السياسة الناعمة» تجلت في علاقات تركيا مع الأسد، حين سعى النظام السوري إلى كسر عزلته الإقليمية، بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، عن طريق الاندفاع التامّ نحو حضن أنقرة. وهكذا تمّ توقيع سلسلة من الاتفاقيات التجارية التي كان من الواضح أنّ الكفّة فيها تميل بشدّة لصالح الاقتصاد التركي على حساب الاقتصاد السوري، سيّما وأنّ البون شاسع ومختلّ بنيوياً بين ميزانَيْ التجارة في البلدين. كذلك تغاضت دمشق عن شحّ مياه نهر الفرات بسبب تغذية السدود التركية المتزايدة، وتعاونت مع الأجهزة الأمنية التركية في تعقّب أنصار الـ PKK، الذين كانت دمشق تزوّدهم بالسلاح ومعسكرات التدريب حتى عام 1998، بل وحدث مراراً أنها سهّلت قيام الأتراك بعمليات إغارة على القرى السورية المحاذية للحدود مع تركيا، بهدف اعتقال أولئك الأنصار. الأهمّ، ربما، كان إقرار النظام السوري، ضمنياً، بالسيادة التركية التامة على لواء الإسكندرون، المنطقة السورية الواسعة التي قامت تركيا بغزوها سنة 1938، قبل أن تسلخها سلطات الانتداب الفرنسية عن الجسم السوري، وتضمّها إلى تركيا.

وهكذا، مع الديناميكية الخاصة التي اكتسبتها العلاقات التركية مع إيران وأرمينيا وأذربيجان؛ ثمّ مع رومانيا وهنغاريا والنمسا حول أنبوب Nabucco الذي سينقل الغاز من أذربيجان وآسيا الوسطى، وبعدئذ من العراق وربما إيران لاحقاً، عبر الأراضي التركية… جاز للبعض أن يطلق على داود أوغلو توصيف «كيسنجر تركيا»؛ ليس درجة من الصواب، في واقع الأمر. وليس، من جانب آخر، دون وضع العنصر الحاسم التالي في الاعتبار: أنّ محاسن استخدام «القوّة الناعمة»، لا تطمس مساوىء صعود قوّة إقليمية مسلمة ثانية، بعد إيران؛ في منطقة أخطار كبرى تتجاور فيها آبار النفط… مع الرمال المتحركة!