درسُ غزة: خزيٌ مصريٌّ خليجيٌّ

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

28/8/2014
السورية
المؤلف: 

تشكل الحرب أهمية قصوى في الفكر السياسي نظراً لأنها الأداة الأكثر فاعلية لفرض واقع جديد يعيد خلط الأوراق ليصار إلى ترتيبها وفق أهداف ومحددات المنتصر، لذلك ومن منطلق القراءة الإسرائيلية الخاصة للوضع الإقليمي وما أفرزه من محاور، وبالتقاطع مع البيئة الداخلية الإسرائيلية، فقد عمدت إسرائيل إلى الحرب وفق قناعات عدة، فهي تسعى لتثمير الظرف الاستثنائي التي تشهده مصر المدعومة خليجياً والتي أعلنت فك ارتباطها نهائياً بكل تيارات وجماعات الأخوان المسلمين ومحاربتها أيضاً، كما وجدت إسرائيل الفرصة سانحة لتحقيق أهدافها في ظل تباينات المواقف الجديدة في الشرق الأوسط وانقسام التوجهات العربية -العربية ودخول دائرة الصراع السني ـ الشيعي مرحلة متقدمة بالإضافة إلى ما يتم رسمه لصراع سني بيني يجعل معظم  الأمم  والتيارات تدخل في دهاليز التلاقي بالمصالح، كل ذلك جعل إسرائيل تدخل حرباً تراها لا بدّ منها ولن تجد رفضاً من دول كبرى خفَّ اهتمامها بالمشرق العربي لاعتبارات داخلية صرفة، ولا من دول داعمة لفصائل المقاومة لانغماسها الكلي بملفات تشكل خطراً مباشراً على أمنها وسلطانها، مما سيدفع الأخيرة للتنازل المطلوب.

وفي التفاصيل، وفي ظل استفراد الولايات المتحدة الأمريكية بمفاوضات البرنامج النووي الإيراني ووصوله إلى مرحلة متقدمة، ارتأت إسرائيل أن يكون موضوع حماس ذات الدعم الإيراني موضوع مساومة خاصة، مع الاحتدام الذي تشهده الجغرافية الممتدة من العراق إلى لبنان مروراً بسورية، فإيران منخرطة بالصراع الدائر في سوريا وتدعم النظام، بالإضافة لدخول العلاقة بين إيران وحماس حالة من الفتور والتراجع النسبي من سلم الأولويات الإيرانية، لكن واشنطن لم تشأ أن تُقدِم إسرائيل على هذه الحرب الآن حتى تنتهي من إعادة تشكيل علاقتها مع طهران والانتهاء من رسم خطوط واستغلال واختلاف التوجهات الإيرانية في عهد الرئيس حسن روحاني عن الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد.

 وتدرك المصالح الخليجية التي تعكسها العقلية العسكرية الحاكمة في مصر المنشغلة في تدمير القوى الثورية وبناء صروح الثورة المضادة، أن في الحدث الغزاوي جملة أهداف تسهم في تحقيق استراتيجيتها بشقيها الداخلي والخارجي والمتمثلة باستغلال الفرصة للعودة القوية لاستلام زمام الملفات السياسية إقليمياً وتفعيل الدور الخارجي "الرائد" لمصر، الأمر الذي يسهم في مركزة مصر في المحور الإقليمي بكل تداعياته وارتكاساته خاصةً في ملف النزاع العربي الفلسطيني، وتجفيف منابع القوى التي تشكل تهديداً للإشكالات الاجتماعية والسياسية في مصر. كما يشكل هذا الحدث نقطة التقاء خليجية مع إسرائيل كونه المدخل الأساس للولوج في نظام إقليمي تريده دول الخليج يفضي إلى القضاء على ما أسموه " الإرهاب".

لقد وصلت رسائل مصر والخليج كاملة، فهي تلهفت وماتزال للتأكيد على أنه لا يمكن تجاهل دور مصر كونها الامتداد الجيبولتيكي الأوحد للقطاع وبنفس استفزازي مخزٍ، كما تسعى لعدم التمكين السياسي للفكر الأخواني (الإرهابي على حد وصفهم).  وها هي اليوم تؤكد مع دول الخليج وتتنافس مع الأسد في تأكيد قدرتها التامة في مواجهة الإرهاب وتصدير هذا التأكيد دولياً بشكل عام، وأمريكياً بشكل خاص، بهدف تبوّئها مركزاً قيادياً في معادلات التغيير التي تعصف في المجال الجيوسياسي في منطقة المشرق والمغرب العربي.

إن التسرع لطرح مبادرة وقف إطلاق النار الأولى ذات التشعبات المصلحية الفجة وإخراجها بصيغة تراعي الهواجس الإسرائيلية والتوازن المجحف بين الطرفين الذي لا يمكن أن يكون بحكم الواقع والميزان العسكري وحتى الإمكانيات، مع تجاهلها التام للقوى المقاومة المتمثل بعدم استشارتها، لا يمكننا فهم هذا التسرع إلا من زاوية تلهفٌ  لاقتناص الفرص، إلا أن رفض حماس لها بسبب عدم التشاور معها واعتبارها ليست محايدة بل إنها إذعان لإسرائيل، لجمَ هذا التلهف وجعله يبحث عن وظيفة أخرى، وهذا يمهد للتحرك القطري التركي الذي تم تقويضه وبجهد وتحركات دبلوماسية مكشوفة الغرض تعتبر أن هذين البلدين "داعمين وممولين أساسيين للفكر الأخواني الراديكالي" المتمثل في حماس.

 تدرك إسرائيل أنها تتقاطع في عديد من الأمور مع دول الخليج وراهنت على ضغط خليجي تجاه قطر وتركيا وبالفعل حصل ذلك، بينما كان رهان حماس على الضغط الإعلامي والنفسي واستراتيجية الرعب وسياسة تعظيم المكاسب، ليتسنى لها تموضعٌ جديدٌ في الخارطة السياسية التي تشهد تشكيلاً جديداً، إلا أن ذلك لم يبقِ أمامها في ظل هذا المعطيات العسكرية والإنسانية بالإضافة إلى الإقليمية إلا التفكير بجدوى قبول اتفاق يُمكن سلطة عباس لقطاع غزة وتتضيق الخناق على تحركات القوى الفلسطينية المقاومة.

وبعد هذا الإجهاض المقصود ولضرورة عدم تجاوز الدور المصري بحكم الجغرافية تم تحوله من مبادرٍ إلى وسيطٍ في مفاوضات غير مباشرة في القاهرة التي أقل ما يمكن وصفها به بأنها (طبخةٌ لم تكتمل شروطها بعد). ولم تفلح الهدن المقترحة، وزاد الضغط السياسي على قوى حماس وجعلها بين المطرقة العربية الرافضة لوظائفها وسندان التعنت الإسرائيلي وويلات الحرب على الحجر والبشر في قطاع غزة.

لقد أفرزت الحرب عدة أمور خطرة أهمها  أن هذه الحرب مكنت إسرائيل  من شرعنة محاسبة الضحية وتمثل ذلك بتوجيه النقد وبشكل وحيد لقوى حماس التي تخلى عنا الحليف الإيراني وذراعه حزب الله في لبنان الذي ما فتأ من توجيه السباب إلى قيادة حماس و"محاربة الإسرائيليين في الداخل السوري"، بالإضافة إلى أن فواتير القتل و الانتهاك الأسدي والتكلفة البشرية العالية لسحقه للمجتمع  والبنية في سوريا والذي أضحى أنموذجاً  لتحقيق الغايات دون رادع، حيث كان للصور المتواترة والمتزايدة التي يفرزها المشهد السوري أثرٌ إعلاميٌ نفسيٌ مركبٌ على المتابع، سّهل  بعدها كثيراً قبول رؤية هكذا صور وشرعنتها.

أخيراً صحيح أن إراحة القطاع من ويلات الحمم والقذائف والصواريخ الإسرائيلية هو هدف يسمو فوق الاعتبارات السياسية والعسكرية إلا أنه لا يمكن أن نسلم بأن ما حدث مؤخراً هو خاتمة الأمور فمهلة الشهر التي ترتبط بلمفي الميناء البحري والبري قد تحمل في طياتها أوجاعاً يصعب لملمتها في تمحورات وتموضعات إقليمية قررت الانتفاض على الثورات ومفرزاتها مهما بلغت فاتورة ذلك. بالإضافة إلى أن الفرصة التي بحثت عنها حماس كي تعيد ترتيب أولوياتها في سياق الارتكاسات الخطرة التي تشهدها بنية المنطقة لن تكون سهلة في ظل القراءات الخليجية الأمنية فقط التي ترفض إلى اليوم بضرورة تحول بوصلة هذه القراءات إلى النكسة الكبرى التي يتم صياغتها ونسجها اليوم بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية والتي ستفضي إلى كوارث سياسية وأمنية ستطال معظم دول المنطقة.