دم العربي المسلم رخيص

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

16/2/2015
العربي الجديد

تهتز أركان الكرة الأرضية لقتل يهودي، أو مسيحي، أو حتى تماثيل بوذية، عندما تتعرض لأي مكروه، وتتواصل الإدانات من كل القوى الدولية، لمقتل ذلك الإنسان غير العربي وغير المسلم، وحتى الشجب والإدانة تلحق كل من حاول المس بتماثيل بوذية في أفغانستان.

تعرضت تلك التماثيل لمحاولات تدمير من حركة طالبان، قبل أعوام، وجهز المجتمع الدولى حملة إعلامية وسياسية، للحيلولة دون تدمير تلك التماثيل المنحوتة في صخر صلب التدمير. أمين عام الأمم المتحدة، في حينه، كوفي عنان، دان وشجب أي مساس بتلك التماثيل، وأصدر قادة العالم مناشدة القادة الأفغان بعدم المساس بتلك التماثيل، لأنها تشكل لمسة حضارية تحظى بتقديس ملايين من البشر (الديانة البوذية) وراح الزعماء العرب يجمعون فقهاء وعلماء السلاطين، ويأمرونهم بالتوجه إلى أفغانستان، وعلى رأس تلك الوفود، قيادات دينية إسلامية مرموقة، للتوسط لدى قادة "طالبان" بعدم المساس بتلك التماثيل (الأصنام)، وكان ذلك الزحف لعلماء وفقهاء الحكومات العربية تحت تأثير ضغوط دولية على الحكام العرب، للتدخل لإنقاذ الأصنام البوذية.

لا أريد أن أستدعي كل الأحداث التي جرت، في السنوات الأخيرة، لظاهرة قتل غير المسلمين العرب، لكني أتوقف فقط عند حادثة باريس التي ذهب ضحيتها، أخيراً، 12 شخصاً، بينهم رسامون يعملون في صحيفة شارلي إيبدو التي استفزت المسلمين بنشر صور كرتونية، تحقر من مكانة النبي محمد عليه الصلاة والسلام، وتحقر قبلتهم بأن تضع على سطح الكعبة صورة خنزير. نحن، بكل شجاعة، ندين كل عملية قتل للإنسان مهما كانت عقيدته، وندين ذلك الحدث الذي جرى ضد أفراد يعملون في الصحافة، لكننا نجرم فعلهم تجاه ديننا الإسلامي، ولا نحرض على قتلهم.

نتيجة ذلك الحدث، اجتمع أكثر من خمسين رئيس دولة وحكومة ومسؤول في باريس، في مظاهرة سياسية لا سابقة لها، شاركت فيها قيادات عربية عالية المستوى، وفي الصف الأول محمود عباس الذي قتلت إسرائيل من شعبه أكثر من 2000 شخص مدني في قطاع غزة، قبل أشهر من حادثة باريس، من دون حياء من شعبه، ومن أمته العربية والإسلامية. توالت برقيات الإدانة والشجب من قيادات عربية ورجال دين من المسلمين على قصر الإليزيه، تعزي وتستنكر ما حدث.

(2)

في الأسبوع الماضي، قتل ثلاثة شبان من العرب المسلمين المقيمين في الولايات المتحدة الأميركية لطلب العلم، وسعي للرزق، بدم بارد. دخل عليهم رجل أميركي في عقر دارهم وأرداهم قتلى، شاب وزوجته وأختها، بلا سبب ارتكبوه في حقه، أو حق أسرته، بشهادة الجيران، ولم نسمع أو نر احتجاجات كالتي حدثت في باريس، أو لندن أو غيرهما من عواصم الدنيا، عندما يحدث مثل ذلك الحدث لأوروبي أبيض. لم نسمع صوتاً عربياً كالأصوات التي انطلقت لضحايا باريس الذين شتموا نبينا، وحقروا ديننا، ولم نسمع احتجاجاً من أي عاصمة أوروبية. أليس الإنسان هو إنسان، أياً كان شكله، أو عقيدته؟ أصدر الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، بياناً خجولاً، يحتج على تلك الجريمة بعد مرور ثلاثة أيام. وتذكر الرئيس الأميركي، باراك أوباما، الجريمة، بعد ثلاثة أيام من ارتكابها، وأصدر بياناً لا يتناسب والجريمة. لم يوصف المجرم بأنه إرهابي، ولا ما قام به من جرم. قد يقال لنا إن الرجل مختل عقلياً، أو غير ذلك من أسباب قد تحميه من السجن المؤبد، أو الإعدام، حسب قوانين الولاية، وليس بدافع الكراهية.

(3)

لا تقيم الحكومات الغربية، ومن في حكمها، للإنسان العربي، أي قيمة، سواء على أرضها أو أي أرض أخرى، والسبب أن حكوماتنا العربية وزعاماتنا لا تقيم لنا قيمة في أوطاننا. أنظر، مثلاً، ماذا تصنع الطائرات الأميركية بدون طيار في اليمن والعراق، من قتل وتدمير. ماذا يصنع الحاكم في سورية بشعبه. إنه لم يكتف بإطلاق الرصاص على المواطن الذي يطالب بحقة في الحرية والكرامة، وإنما يستخدم السلاح الكيماوي لإبادة معارضيه، ويستخدم البراميل المتفجرة التي تطلق عشوائياً من الجو على الآمنين المسالمين القابعين في منازلهم، خوفاً من الموت على أيدي رجال النظام الحاكم في دمشق، وكذلك الحال في العراق ومصر واليمن وليبيا، وغيرها من بلدان العرب. والعرب كلهم والسلطة الفلسطينية لا تحرك ساكناً، عندما تقتل إسرائيل آلاف الفلسطينيين. وقد قتل الإسرائيليون وزيراً في سلطة محمود عباس، ولم تحرك هذه السلطة ساكناً. تحاصر مصر الشعب الفلسطيني الذي يموت، يومياً، العشرات منه بسبب الأمراض، والجراح التي أصابتهم جراء العدوان الصهيوني، ولا يجدون علاجاً، ومصر تمنع عنهم الدواء والغذاء، ولا حول لهم ولا قوة. فمن هنا، لا يقيم الغرب للدم العربي وزناً وقيمة، لأن حكوماتنا لا تقيم لنا قيمة.

آخر القول: لم تجعل حكوماتنا لمواطنيها قيمة، لأنه لا خيار لنا في تبديل الحاكم أو إسقاطه عن طريق الانتخاب. في الغرب، العكس هو الصحيح. القيادة تحمي المواطن، طمعاً في أن ينتخبها ثانية، وهكذا تسير الأمور.