دولة لبنان الكبير

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

23/1/2016
السورية نت
المؤلف: 

يقول المستشرق هنري لامنس([1]) في  محاضرة  ألقاها في  مدينة الإسكندرية سنة 1919م، ونشرت بعنوان: "التطور  التاريخي  للقومية  السورية سنة  1920، ص8": "حذار من تمزيق أو من تجزئة غلالة الوطن، فهي قطعة واحدة لا قطبة لها ولا درزة، فأنا منذ أن جعلتني العناية الإلهية أعكف على دراسة هذه المسألة أي من حوالي ربع القرن، لم أعرف إلا سورية واحدة، هي سورية الجغرافيا، سورية التقليدية والتاريخية، على نحو ما كوّنها الخالق، وعلى نحو ما فهمها كتّاب العصور القديمة الكلاسيكية دائماً، من أمثال سترابون وبلين واليونان والرومان الذين كانوا شهوداً لا شك في تجردهم ونزاهتهم وبعيدون كل البعد عن نقاشات محافلنا".

لكن يبدو أن نداء هنري لامنس لم يجد آذاناً مصغية من قبل السوريين أنفسهم، حيث عملت فرنسا ومنذ دخولها على تقسيم سورية، وسلخ أجزاء كبيرة منها. فالسياسة الفرنسية في سورية القائمة على التقسيم وإثارة النزاعات المذهبية والطائفية، ساهمت في تقليص مساحة سورية الطبيعية، من 300 ألف كيلو متر مربع مع بداية الانتداب الفرنسي إلى 185190 ألف كيلو متر مربع عند الاستقلال عام 1946م([2]).

وعندما أعلن الجنرال الفرنسي غورو([3]) قيام دولة لبنان الكبير يوم 31 أغسطس/آب 1920، راح يعطي نصائحه للسكان، بطريقة لا تخلو من طرافة مبكية، وناشد اللبنانيين بأن يلتزموا الاتحاد فيما بينهم إذا شاؤوا أن يكونوا شعباً عظيماً وأن يبتعدوا عن كل ما يفرّق بينهم عرقياً أو دينياً. لأن قوتهم تكمن في اتحادهم.

وبمعزل عن رأي ومصالح فريق كبير من السكان من المسلمين خاصة، ولجعل لبنان مكاناً لتجمع الأقليات المذهبية والدينية، أصدر الجنرال غورو منذ الثالث من شهر أغسطس/ آب سنة 1920 سلسلة قرارات أهمها:

أ - قرار رقم 299 تاريخ 3 أغسطس/ آب 1920، قضى بفصل أقضية حاصبيا وراشيا والمعلقة البقاع وبعلبك عن ولاية دمشق وضمها إلى لبنان فيما يتعلق بنظامها الإداري.

ب - قرار رقم 318 تاريخ 30 أغسطس/آب 1920، نص على إعادة لبنان إلى حدوده الطبيعية وتشكيل "دولة لبنان الكبير" التي تضم لبنان المتصرفية وأقضية بعلبك والبقاع وراشيا وحاصبيا وأقسام ولاية بيروت التالية: صيدا عدا ما ألحق منه بفلسطين، وبيروت، أقسام طرابلس المتضمنة قضاء عكار في مناطقه الواقعة جنوب النهر الكبير، قضاء طرابلس مع مديريتي الضنية والمنية، والقسم من قضاء حصن الأكراد الواقع جنوب الحدود الشمالية للبنان الكبير.

ج - قرار رقم 320 تاريخ 31 أغسطس/آب 1920 الذي قضى بحل مجالس ولاية بيروت.

د - قرار رقم 321 تاريخ 31 أغسطس/آب 1920 الذي قضى بإلغاء النظام الإداري في متصرفية جبل لبنان ومجالسه.

وفي 29 سبتمبر/أيلول من عام 1923م، أعلنت عصبة  الأمم رسمياً انتداب فرنسا على سورية ولبنان، وأوكلت لفرنسا تقديم المساعدة والتوجيه وصون الحرّيات، وكلها أمور هدفها ذر الرماد في العيون، لأن مهمة فرنسا الأساسية كانت استعمارية، وقد أوكلت لها عصبة الأمم مسألة الاهتمام بترسيم الحدود وتنظيم الإدارة والقضاء في كلّ من سورية ولبنان إلى أن يصبح البلدان القاصران، وفق الحجة الاستعمارية، قادران على تدبّر شؤونهما بنفسيهما، فيجري عند ذلك الاعتراف باستقلالهما كبلدين منفصلين. وفي 23  مايو/ أيار 1926 تحول لبنان الكبير إلى الجمهورية  اللبنانية حسب الدستور الجديد الذي كان مطابقاً لدستور الجمهورية الفرنسية الثالثة([4]).

رفض أكثرية المسلمين السنة "دولة لبنان الكبير" لعدة أسباب أهمها:

1 ـ أنهم أصبحوا أقلية من الأقليات في بلد وُجد أساساً ليكون بلد أقليات فيه 18 طائفة معترف بها ولها تمثيل نيابي في البرلمان اللبناني.

2 ـ لقد أراد المسلمون أن يكونوا جزءاً من دولة عربية برئاسة الملك فيصل، وعند خروج العثمانيين أسرع رئيس بلديتها عمر الداعوق([5]) لرفع العلم العربي وشكّل حكومة من أبناء البلد، غير أن فرنسا وبريطانيا رفضتا ذلك وأفشلتا تلك الخطط العربية([6]).

وبالإضافة لرفضهم للانتداب الفرنسي منذ البداية، لم تعترف الحركة الوطنية السورية وممثلوها في لبنان بلبنان الكبير، ولا بجمهورية لبنان، لكنهم وفي المفاوضات التي جرت بين الحكومة الفرنسية والحركة الوطنية السورية في مطلع الثلاثينات، تنازلوا وقبلوا بالاعتراف به، بعد أن اشترطت فرنسا ذلك لقاء توقيع معاهدة تعترف فيها باستقلال سورية ولبنان.

ووجد السياسيون أنه من أجل بلوغ الاستقلال، على المسيحيين أن يتنازلوا عن مطلب حماية فرنسا لهم، وأن على المسلمين التنازل عن طلب الانضمام إلى الداخل السوري.

 

____________________________________________________________________________________________

[1]  ـ هنري لامنس: مستشرق بلجيكي ولد عام 1862، وتوفي في بيروت عام 1937م. استقر في لبنان. ودرس اللغة العربية، وابتدع في كتابه "سورية" مصطلح سورية الكبرى كإقليم يقع ضمن حدود بطريركية أنطاكية. انتقده العديد من المستشرقين ومن المسلمين وقالوا بأنه لم يكن أميناً في عرض الوقائع وتحليلها. انظر: عبد الرحمن بدوي، موسوعة المستشرقين.

[2]  ـ كمال ديب، تاريخ سورية المعاصر، ص 43.

[3]  ـ الجنرال هنري جوزيف أوجين غورو ولد في باريس 1867، وتوفي عام 1946م، وهو القائد العسكري الفرنسي الذي قاد الجيش الفرنسي في نهاية الحرب العالمية الأولى في الحرب التركية الفرنسية، وكان المندوب السامي لفرنسا على لبنان وسورية.

[4]  ـ  أدمون رباط، التكوين التاريخي للبنان السياسي والدستوري. وانظر: حصاد الذاكرة، صحيفة الحياة، العدد 13444، 30/ 12/ 1999م.

[5]  ـ عمر الداعوق: ولد في بيروت عام 1875م، وتوفي عام 1949م، عُين عام 1908 رئيساً لبلدية بيروت، وعند هزيمة العثمانيين بالحرب العالمية بايع الداعوق الملك فيصل، ورفع الأعلام العربية على السراي الحكومي. وبعد إعلان لبنان الكبير انتخب نائباً عن العاصمة سنة 1925م، ورئيساً لجمعية المقاصد الخيرية الإسلامية للمرة الثانية سنة 1934م، واستمر في نشاطه حتى وافته المنية.

[6]  ـ محمد عزة دروزة، مذكرات محمد عزة دروزة، ج1، ص 290 وما بعد.

تعليقات