دول كبرى لكن خسائر يسيرة ترعبها.. لماذا؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

30/12/2015
العرب القطرية

يخطب أوباما بعد هجوم في كاليفورنيا حدث مثله مرارا من دون خلفيات سياسية، فيؤكد أنه سيطارد تنظيم الدولة ويدمّره، ولكنه يؤكد أنه لن يرسل قوات برية. ونتابع جلسة «تاريخية» للبرلمان البريطاني، وتكون النتيجة قرارا بالمشاركة في الحرب ضد تنظيم الدولة في سوريا، لكن مع تأكيد بأن مقاتلين لن ينزلوا إلى الأرض، ويعلن حلف الأطلسي دعمه للحملات المذكورة، لكنه يؤكد أيضا أنه لن يشارك بقوات على الأرض.
يقيم بوتن الدنيا ولا يقعدها في سياق الترويج لحربه في سوريا، لكنه يؤكد أيضا أنه لن يرسل قوات كي تقاتل على الأرض، وحين يسقط له طيار بيد الأتراك يقيم الدنيا ولا يقعدها، ثم يقيم له (للطيار) المآتم والمراسم.
تتعرض فرنسا بكل تاريخها لهجمات يسقط فيها 130 شخصا، فتهتز بطولها وعرضها، وتصاب بحالة غير مسبوقة من الارتباك، وترسل طائراتها وأكبر بارجة عندها للمشاركة في الحرب ضد تنظيم الدولة، لكن هولاند يؤكد أنه لن يرسل قوات تقاتل على الأرض.

نسمع أخبارا متوالية عن نية إيران سحب قواتها من سوريا بعد توالي الخسائر والخوف من تأثير ذلك على الداخل الإيراني، ولا يُستبعد أن يتم الاكتفاء بالميليشيات التي يجري جلبها من أفغانستان والعراق، والآن باكستان، طبعا بالأموال وبحشد طائفي، إلى جانب مقاتلي حزب الله.
قبل ذلك، تخرج أميركا من العراق مهزومة، في وقت كانت فيه أكبر إمبراطورية في التاريخ البشري، وبخسائر لا تتجاوز كثيرا الثلاثة آلاف قتيل (خسرت 2400 جندي في ساعتين بضربات يابانية في بيرل هاربر عام 1941)، وفي أفغانستان يسقط المئات، ويلملم أوباما وضعه كي يرحل، بينما تسبقه دول غربية وأوروبية عديدة، بسبب خسائر لا تتجاوز عشرات الجنود.
على الهامش، نتذكر الكيان الصهيوني الذي اهتز طويلا بسبب أسير له في قطاع غزة، بينما تمترس جنوده وراء الدبابات، واستخدموا سياسة الأرض المحروقة كي لا يخسروا جنديا في حروبهم الثلاث على قطاع غزة. وها هو مجتمعهم يُصاب بالرعب جراء بضع عشرات من عمليات الطعن بالسكاكين أو الدهس بالسيارات.

ماذا يجري في العالم؟ هل هذه دول كبرى، أم كيانات مرعوبة تخشى الخسائر بكل ما أوتيت من قوة؟ 
من الواضح أننا إزاء مشهد جديد لا يمت للقديم بصلة، فهذه دول كبرى بإمكانات ضخمة، لكن ثورة الاتصالات والإعلام، ومعها روح الاستهلاك السائدة جعلتها مرعوبة، تخشى الخسائر؛ أقل الخسائر، ويمكن أن تهتز بسبب القليل منها.
لا تقل لي إنهم يقدسون الإنسان، وما إلى ذلك من خطاب، لأن احترام الإنسان كل لا يتجزأ، ومن يقتل المدنيين الأبرياء في العراق وسوريا بحجة القتل الخطأ ولا يرف له جفن، ومن يسكت على طاغية يقتل شعبه بالبراميل المتفجرة لا صلة له بالإنسانية.

لا شك أن سطوة الإعلام وثورة الاتصالات ومواقع التواصل ذات تأثير كبير، فهي تُدخل الحادثة الصغيرة إلى كل بيت، فتجعلها ضخمة، ولنتخيل لو أن الحربين العالميتين (الأولى والثانية) وقعتا في ظل هذه الثورة. ما الذي كان سيكون عليه الحال؟! لكن روح الاستهلاك السائدة تحضر أيضا، وحيث بلغت تلك الدول منتهى القوة والرفاه، ولا يجد مواطنها حاجة للتورط هنا وهناك من أجل حروب الغير، فضلا عن حروب بمشاريع سياسية غير واضحة.
هنا تحديدا يكمن سر قدرة تنظيم الدولة على الصمود كل هذا الوقت، فهو يقاتل من دون أن يخشى الخسائر، وهو لا يأبه بالقصف الجوي كثيرا، ولديه جحافل من القنابل النووية المحلية، بتعبير حيدر العبادي، والتي يقصد بها الانتحاريين، ولو واجه قوة على الأرض مصممة على القتال، ولو في الحد الأدنى لاختلف المشهد، لاسيَّما حين تحظى تلك القوة بتفوق جوي هائل، وقد حدث مثل ذلك في كوباني وتكريت وسنجار، وكذلك في ديالى التي تدخلت إيران فيها بشكل مباشر، ثم أخيرا في الرمادي، وحيث تمتع الجيش العراقي بغطاء جوي أميركي.

من ذلك كله يمكن التأكيد على أن الإرادة يمكن أن تفعل الكثير في مواجهة هذه المعادلة، تماما كما فعلت في مواجهة الغزو الأميركي للعراق، ولو توفرت في فلسطين عبر قيادة تنسجم مع قابلية الشعب الرائعة للتضحية لتحققت نتائج باهرة. ففي مقابل هذا الهوس بالخسائر في الأطراف الأخرى، تملك هذه الأمة جحافل من الشبان المقبلين على الشهادة، وسيكون الوضع أفضل حين تتوفر بوصلة واضحة ومقنعة، وما يجري في سوريا دليل مهم آخر، فهذا الحشد الرهيب من روسيا وإيران وكل الأتباع لم يحقق الكثير في مواجهة الثوار، رغم وجود قوىً عقائدية على الأرض أيضا.

تعليقات