"دي ميستورا" إذ يلهث وراء إنجازٍ ما!

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

16/5/2015
السورية نت

منذ تسلّمه لائحة مهامه كمبعوث دولي إلى سورية خلفاً للاخضر الابراهيمي في العاشر من تموز/ يوليو 2015؛ لم يتمكن "ستيفان دي ميستورا" من تحقيق أي إنجاز يُحسب له على طريق الحل السياسي للحرب في سورية. وبعد فشله المتكرر في إقناع الثوار بجوى خطة تجميد القتال في حلب، دعا إلى عقد مشاورات جديدة بين (مندوبين عن المعارضة والنظام، وأطراف من التيار الثالث، وممثلين عن المجتمع المدني السوري، وأطراف إقليمية معنية، وخبراء) في 04 أيار/ مايو 2015 بطلب من الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، تمهيداً منه لاستئناف "التسوية السياسية" التي توقفت في شباط/ فبراير ٢٠١٤ في أعقاب فشل مؤتمر جنيف ٢.

ويعوّل "دي ميستورا" على فتح طريق جديد لعملية تفاوضية تبدأ من مستوىً أدنى من "المشاورات" في إطار غير رسمي وغير ملزم، لتنتهي برؤية تقدم إلى مكتب الأمين العام، وقد تأتي هذه الرؤية بصيغة جديدة لا تلتزم ببيان جنيف 1 المتفق على نصّه والمختلف على تفسيره بين القوى الكبرى. وبهذا يكون المبعوث قد حقق شيئاً قبل الانسحاب، وهو النهج الذي سار عليه كوفي عنان الذي استقال من منصبه بعد شهرين من مؤتمر جنيف 1 المنعقد في 30 حزيران/ يونيو 2012، وكذلك الاخضر الإبراهيمي الذي استقال من منصبه بعد شهرين من عقد الجولة الثانية من مؤتمر جنيف 2 في سويسرا بشهر شباط/ فبراير 2014.  

ويعاني "دي ميستورا" من انسداد في الأفق، فقد كان  يأمل تعاوناً أكبر من المعارضة للوصول إلى صيغة حل سياسي ينهي الصراع بسرعة، وخاب أمله من النظام الذي يتبع سياسة صلبة في التعامل مع فكرة التنازل السياسي كقضية وجود. وهو، أي المبعوث،يحاول تماماً كما حاول من قبله الاخضر الابراهيمي دفع المعارضة للتنازل وإبداء مرونة أكبر بموقفها من النظام، ولا يهمه في هذا السياق سوى تحقيق وقف إطلاق نار في سورية بغض النظر عن غياب أو حضور  المكتساب الحقيقية للشعب، وهذا ما يفسر سعيه الحثيث لتخفيض سقف مطالب المعارضة بشكل دائم بكونها الحلقة الأضعف دولياً.

وتشكل المتغيرات الدولية والإقليمية الجديدة التي شهدت أحداثاً مفصلية كالاتفاق النووي الإيراني والصراع اليمني والتقدم الكبير للمعارضة السورية في شمال وجنوب سورية؛ تحدياتٍ كبيرةً أمام مشروع "دي ميستورا" من جهة، وفرصاً يمكن استغلالها من جهة أخرى. فإيران والسعودية في حال قطيعة وحرب بالوكالة في العديد من البلدان بمنطقة المشرق، ومن الصعب تقريب وجهات النظر بينهما، ومن غير المتوقع توصلهما إلى أي اتفاق يعيد الهدوء إلى المنطقة قبل أن يحقق أحدهما تقدماً يرضيه ويرضخ الطرف الآخر إليه.

من طرفها، تترك الولايات المتحدة الأمريكية، الباب مفتوحاً أمام طرح أي أفكار لحل سياسي قد يفضي إلى مزيد من الشرعية في الحرب التي تخوضها ضد "تنظيم الدولة" في سورية والعراق مستقبلاً، فيما تجد روسيا في خطة تجميد القتال فرصة جيدة لإثبات "تماسك النظام" و"تفتت المعارضة" ووسيلة ممتازة يمكن اللعب عليها لإعادة تعريف الصراع على أنه بين دولة مؤسسات من جهة وعناصر غير منظمة وعشوائية من جهة أخرى.

ولأول مرة، تجلس إيران بناءً على دعوة الأمم المتحدة إلى طاولة تباحث حول سورية، وذلك يعود إلى كونها الحاكم الحقيقي على الجغرافية السورية الواقعة تحت سيطرة نظام الأسد، وهي وفق هذا المعنى "لاعب مهم في المنطقة ولها تأثير على ما يجري في سورية" على حد تعبير "دي ميستورا"، وإيران لم تدع لمشاورات مجموعة العمل في 30 حزيران/ يونيو 2012 التي تمخض عنها بيان جنيف 1، كما سُحبت منها الدعوة لحضور مؤتمر جنيف 2 في كانون الثاني/ يناير 2012 بضغوط غربية فرضها انسحاب الائتلاف الوطني السوري من المؤتمر مشروطاً بحضور إيران. 

ويثير الاستغراب ذلك الموقف غير المحايد الذي يتبناه المبعوث الأممي، فهو يعامل المعارضة السورية على أنها مجموعة من الفرقاء والفصائل، في حين يتعامل مع النظام على أنه كتلة واحدة. هل يعود ذلك إلى توفر التمثيل القانوني للنظام في الأمم المتحدة دوناً عن المعارضة.؟ وإن كان ذلك، ألا يذكر المبعوث الدولي حقيقة تحوّل مؤسسات النظام المدنية والعسكرية إلى أشباه تنظيمات ميليشوية تأتمر بأوامر إيرانية.؟

كما ينبغي الالتفات إلى حقيقة أخرى، وهي تبني "دي ميستورا" سياسة "الهدن المنفردة" التي ينتهجها نظام الأسد منذ أوائل نوفمبر/ تشرين الثاني 2013 في بعض مدن وبلدات وأحياء ريف دمشق ودمشق، فهو لم ينفك يسعى لسحب التنازلات من المعارضة السورية بعد فشله في سحب أي تنازل من النظام، ولا مانع لديه، ربما، من أن يضغط باتجاه تعميم تجربة الهدن برعاية أممية، فهو يعتقد أن حل المسألة الإنسانية كافٍ لتحقيق تسوية مبدئية، وهو ما ترفضه المعارضة السورية بالجملة لاعتبارها أن القضية سياسية أولاً وأن الأزمة الإنسانية ما هي إلّا نتيجة لسلوكيات الأسد الإجرامية. 

ومن رحم كل ذلك يفرض عامل التاريخ نفسه في القضية، ذلك الذي يدفع "دي ميستورا" إلى يبحث عن أي إنجاز بغض النظر عن طبيعته ودون الالتفات لصالح أيٍّ من الأطراف يميل. هو يريد، على ما يبدو، أن يثبت لدى الأمين العام للأمم المتحدة بأن مبدأه في تحقيق التسوية السياسية، بغض النظر عمّا إذا كان على حساب صيغة جنيف 1 أم لا؛ قابل للتحقيق في سورية. ربما ينبع هذا من خوفٍ يعتمر نفس الرجل من مصيرٍ قد لا يقترب، لوهلةٍ حتى، من ذلك الذي لحق بـسلفيه كوفي عنان والاخضر الابراهيمي اللذان استقالا من المنصب بعد إخفاقهما في إيجاد مدخل واعٍ لحل الأزمة المستعصية سورية.

وللنصيحة مكانٌ هنا للمعارضين السوريين، فليس من المستبعد أن تصدر الأمم المتحدة بياناً بعد الانتهاء من مشاورات جنيف يؤكد ضرورة الوصول إلى حل سياسي شامل في سورية قائم على مفاوضات تستند إلى نسخة مراجعة من بيان جنيف1. لذلك فإنه من حسن التدبير وصواب الرأي أن تصدر الهيئات الثورية والمدنية بيانات بعد اجتماعاتها المتفرقة مع فريق "دي مستورا" يوضحون فيها مجريات اجتماعاتهم، ويبينون من خلالها نتائج ما توصلوا إليه، وذلك لقطع الطريق أمام أي تأويلات محتملة.

تعليقات