دي ميستورا.. الرجل الذي انتظره الأسد

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

11/12/2014
السورية نت

إذا كان هناك اسم يريد نظام بشار الأسد أن يطلقه على المبعوث الأممي إلى سورية "ستافان دي ميستورا"، فالأنسب أن يسميه "رجل المهمات الصعبة"، هذا الرجل الذي انتظره النظام منذ أربع سنوات. إذ لم يجد الأسد من بين المبعوثين الدوليين السابقين من يغني على ليلاه سوى هذا المبعوث الأخير، الذي بدا التناغم واضحاً بين مقترحه بإقامة "مناطق مجمدة" من القتال في سورية، وترحيب النظام بهذا المقترح قولاً وفعلاً.

ولا يعني هذا الكلام أن المبعوثين السابقين "كوفي عنان" و"الأخضر الابراهيمي" أنصفا الثورة السورية، وقالا الكلام الذي أراد أن يسمعه السوريون المظلومون على مدى أربع سنوات.

لكن "دي ميستورا" من خلال تصريحاته وزياراته في سبيل الترويج لمقترحه، إنما يريد أن يبني خط دفاع متين يحمي الأسد ويبعده عن أي حل قد يطيح به من السلطة. ويبدو جلياً أن "دي ميستورا" استطاع حتى الآن تغييب الكلام عن مصير الأسد، ولعب بورقة الحرب على الإرهاب وشغل العالم بها، ناسفاً ما حمله جنيف 1 و2 من إمكانية التوصل إلى حل سياسي، بل أكثر من ذلك فقد ذهب المبعوث الأممي إلى جعل الأسد جزءاً من الحل ناسياً أنه أصل البلاء في سورية.

 ومضى "دي ميستورا" في الترويج لمقترحه بنفس الطريقة التي دأب نظام الأسد على التعامل فيها عند طرح أي حل لإنهاء الأزمة في البلاد، ذلك أن دي ميستورا لم يصدر عنه سوى "تجميد القتال" في حلب التي تشكل كابوساً للنظام، لكنه لم يتحدث عن بقية التفاصيل، هذه التفاصيل التي دائما ما يقول نظام الأسد إنه سيغرق الآخرين فيها.

ولم يبد الأسد استعداده لمناقشة مقترحات أممية كما يفعل الآن مع مقترح "رجل المهمات الصعبة". فبداية خرج وقال إن مقترح "دي ميستورا" جدير بالدراسة، وتلا ذلك زيارة لوزير خارجيته وليد المعلم إلى روسيا، ومن هناك أعلن عن شروط النظام لقبول الاقتراح بتجميد القتال في حلب، على أن يسبق ذلك، قبول مقاتلي المعارضة بتسوية أوضاعهم، وتسوية الأوضاع في نظام الأسد لا تعني سوى تسليم السلاح و"العودة إلى حضن الوطن" هذا إذا بقي من يسلم سلاحه على قيد الحياة، ومن الشروط أيضاً دخول أجهزة النظام إلى المناطق التي عجزت عن الدخول إليها على مدى الأشهر الماضية.

وهنا يأتي السؤال، لماذا وضع المبعوث الأممي والأسد مدينة حلب تحت المجهر في هذا الوقت؟، على الرغم من أن كثيراً من المناطق في سورية شبيهة بالوضع الحالي الذي تعيشه العاصمة الاقتصادية لسورية، إذا صح أن نسميها الآن بهذه التسمية بعدما حل بها من دمار.

لحلب خصوصية مميزة عند النظام، فهي المدينة التي استنزفت قواته وأنهكته عسكرياً ومالياً، وفي كل أسبوع يتلقى فيها ضربات موجعة، سواء خلال الاشتباكات أو حرب الأنفاق التي تجري تحت أرض المدينة. وتأتي موافقة النظام على مقترح "دي ميستورا" بتجميد القتال فيها، وكفاح المبعوث الأممي إلى تحقيق هذا التجميد خدمة على طبق من ذهب تقدم للأسد.

ويجد النظام مصلحة كبيرة فيما إذا توقف القتال في حلب، نظراً للأماكن الاستراتيجية التي تسيطر عليها المعارضة، والتي إذا ما قبلت بمقترح "دي ميستورا"، فإنها ستمنح النظام فرصة لإعادة ترتيب صفوفه وإراحة مقاتليه، ومن بعدها يستجمع قواه ليدخل مناطق الريف الخارجة عن سيطرته، مما سيقطع الطريق على المعارضة باحتمالية إقامة مناطق آمنة شمال البلاد، تكون ملاذاً آمناً للمدنيين، ومكاناً مناسباً لقادة الفصائل العسكرية يخططون فيها لمقاتلة النظام.

ولابد أن الأسد استشعر أهمية تشكيل مجلس قيادة الثورة السورية، الذي يضم أكثر من 100 فصيل عسكري مقاتل في شمال وشرق وجنوب وغرب البلاد، ومن بينها فصائل لا تزال حتى الساعة تخوض أشرس المعارك ضد قوات النظام، وبالتالي فإن استهداف النظام لأي من هذه الفصائل خصوصاً في المناطق الشمالية سيجعل قواته عرضة للاستهداف في بقية المناطق الأخرى.

وتوجد في حلب أيضاً بلدتا نبل والزهراء، هاتان البلدتان المدعومتان من إيران، واللتان تشكلان ضغطاً كبيراً على النظام، بضرورة حماية من فيها من سكان ومقاتلين أظهروا ولاءهم لطهران، وعلى النظام أن يرد شيئاً من جميل الإيرانيين بحماية هاتين البلدتين المحاصرتين من قبل جبهة النصرة وفصائل أخرى، وتجميد القتال في حلب يعني فرصة كبيرة لإنقاذ البلدتين من مصير مشؤوم قد تلقيانه إذا نجحت المعارضة في الوصول إليهما.

وبالإضافة إلى هذا، فإن نظام الأسد أحوج ما يكون اليوم إلى إغلاق جبهة من الجبهات الكثيرة التي يقاتل فيها، ويدرك النظام الخطر القادم من جنوب البلاد، والتقدم الذي تحرزه قوات المعارضة في درعا والقنيطرة، اللتان من خلالهما قد يبدأ عرش النظام في دمشق بالاهتزاز. لذا فإن تجميد القتال في حلب يعطي فرصة للنظام في تركيز جهوده وقدراته على معارك الجنوب، ووقف تقدم المعارضة، والوصول إلى نقطة يجد فيها النظام مصلحة بتجميد القتال في مناطق الجنوب، فيطلب من دي ميستورا ذلك، ويبدأ هذا الأخير بالسعي مرة أخرى لتطبيق نموذج حلب على مناطق الجنوب في حال نجح بتطبيق مقترحه.

ويبقى أن أشير إلى أن المبعوث الدولي يسعى إلى تكرار سيناريو حمص في حلب جملة وتفصيلاً، وهو غير صادق بنواياه عندما يقول بأنه لا يهدف إلى جعل حلب حمص ثانية، لأن الوقائع لا يمكن تحريفها ولا يمكن للمبعوث الدولي أن يمسح من ذاكرة السوريين كيف بدأ النظام بإمطار أحياء حمص بمئات القذائف، ومن ثم مضى في توقيع الهدن أي (تجميد القتال) مستغلاً الجوع والتعب، ليجبر بعدها المقاتلين على الخروج إلى الريف الشمالي ويتركهم يموتون ببطء مع من تبقى من السكان جراء الحصار المفروض حتى الآن.