ذمية الأقليات تجاه النظام "الأقلوي"

صورة إيلي عبدو

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

دار الحياة
المؤلف: 

صمت المسيحيون في سورية حيال الشتائم التي نالت من راهباتهم المحررات من أسر «جبهة النصرة». التحقير النابي الذي وجهه شبيحة النظام بعد تصريحات امتدحت معاملة الخاطفين، وشكرت مساعي أمير قطر وضعتهم في موقف حرج. فعلى رغم أن عموم المسيحيين تمنوا لو أن راهبات معلولا لم يتفوهن بكلام يخدش موقفهم الكلاسيكي الداعم، كما يقولون، للدولة، فحملة الموالين المسعورة بدت إهانة معنوية قاسية. فالراهبات يمثلن امتداداً للمؤسسة الكنسية التي تمثل المسيحيين حالياً، وشتمهنّ وإذلالهنّ كلامياً هو في عمقه شتم وإذلال للكنسية. ما يعني أن نظام الأسد أراد أن يوبخ الأقلية التي حاولت التمرد عليه، على رغم كل المشاق التي يتكبدها بغرض حمايتها، فدفع مواليه نحو إهانة الراهبات.

الجرح الذي أصاب الوعي المسيحي بفعل السلوك التشبيحي الأسدي ضد الراهبات، لم يجد تصريفاً تعبيرياً له. مصدر الإهانة هذه المرة النظام الحليف الذي ينطوي على بعد أقلوي يضع المسيحين تلقائياً في موقع المؤيد له. بهذا المعنى، فالإهانة الموجهة إلى المسيحيين عبر شتم راهباتهم ليست سوى موشر مهم على ذميّة ارتضوها لأنفسهم مقابل الحماية من الخطر الأصولي الذي يتهددهم في ما لو سقط الأسد. يمكن اعتبار الإهانة معادلاً تاريخياً للجزية التي تجيز الذميّة الأكثرية فرضها على الأقلية المسيحية.

الأذى المعنوي الذي ألحقه النظام بالمسيحيين كرره مع الدروز عبر إهانة رموزهم الدينية. حيث طلبت أجهزة الأمن في السويداء من امرأة تعاني إعاقة ذهنية أن ترقص بالزي الديني الدرزي في إحدى خيم الاحتفال بترشح بشار الأسد. بدا الأمر وكأن النظام أراد أن ينتزع تأييداً له من قلب العقيدة الدرزية عبر ترميزها بزي المرأة. عدم الاكتفاء بالدعم الاجتماعي الذي يبديه الدروز في مدنهم واستهداف ما هو عقائدي يفصح عن الأسلوب الذمي للنظام، وهو يشبه ما اتبع مع المسيحيين. فكأننا حيال تماثل آخر لفكرة الجزية، ولكنْ هذه المرة ليس عبر شتيمة، وإنما بزي نسائي له احترامه لدى الموحدين الدروز.

وإذا كانت المؤسسة الدينية المسيحية وجدت مخرجاً للتخفيف من الإهانة التي وُجهت لراهبات معلولا عبر التنصل من تصريحاتهنّ التي أغضبت مناصري النظام، فالمؤسسة الدينية الدرزية وجدت نفسها مضطرة لردّ الإهانة، فاعتصم مشايخها واعتُقل بعضهم ليُصار لاحقاً إلى امتصاص النظام للأمر.

في الأحوال كافة، الحادثتان تكشفان طبيعة العلاقة الهشة التي تجمع عناصر حلف الأقليات المزعوم باعتباره تحالفاً يقوم على الغلبة والتمكن. فائض القوة الذي تتمتع به إحدى الأقليات المتماهية مع النظام يتيح ممارسات ذميّة تجاه الأقليات الأخرى التي تخشى صعود الإسلام المتشدد. وهذا يعني أن الردّ على ذمية أكثرية تخشى أقليات سورية العودة التاريخية إليها يكون بالعيش في ظل ذمية أقلوية يتفنن نظام الأسد في ممارستها، فيما الأخيرة تبدو مكلفة جداً لأنها تبرر سلسلة طويلة من الجرائم والمجازر.