رسائل الانتخابات السورية

صورة عبد الله اسكندر

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

دار الحياة

يعتبر النظام السوري أن من الطبيعي أن يظهر دهشة، مفتعلة بالطبع، إزاء الردود على دعوته الى انتخابات برلمانية سابقاً ورئاسية قريباً. فمنذ ان حكم هذا النظام سورية جعل، بنص دستوري، قضية الانتخابات والديموقراطية، قضية تعيين واستفتاء. ولم يكن احد في العالم، باستثناء بعض الأصوات السورية التي خُنقت سريعاً، يحتج او يندد بالتمديد للرئيس الراحل حافظ الاسد عبر استفتاء كمرشح وحيد، او عندما كان الراحل يعين أعضاء مجلس الشعب عبر شبه استفتاء كون لائحة الحزب الحاكم هي الوحيدة المطروحة امام الناخبين.

وعندما غاب الرئيس السابق، ورث الحكم نجله الرئيس الحالي بشار الاسد عبر تعديل دستوري على مقاسه، بعيداً من اي انتخاب او مبادئ ديموقراطية. ولم يُسمع صوت في العالم يحتج ويندد بالمهزلة الديموقراطية. لا بل سُمع كثير من الاطراء لشخصية الرئيس الجديد «الغربي النزعة» والتأييد لسلاسة التوريث. والدعوة الى الانتخابات الرئاسية المقبلة هي امتداد واستمرار لكل ما فعله النظام منذ نشأته. ما يعني ان الديموقراطية والانتخابات في سورية لم تكن هي القضية التي تبرر المواقف التي هادنت النظام السوري، خلال العقود الماضية. او ان النظام لم يكن محموداً بسبب انه يحترم اصول الديموقراطية والتعددية والانتخابات.

ولذلك، يتظاهر النظام السوري بأنه يسأل نفسه والعالم: لماذا لا يحق له اليوم أن يفعل ما كان يفعله على امتداد عقود، وينال التأييد والثناء عليه. وما الذي يجعل ما كان محموداً ويستحق الثناء، خلال العقود الماضية، بات مكروهاً ومذموماً. طبعاً، هذه المحاججة التي تنطوي عليها دعوة النظام الى استفتاء على بقاء الاسد في منصبه، تحت ستار انتخابات تعددية يُحرم من المنافسة فيها أي رأي معارض وتُتاح له سبل القيام بحملة انتخابية، ترغب في اظهار نفاق الذين كانوا يوافقون على الممارسة السابقة للنظام، وفي اظهار تناقضاتهم. وذلك في اطار المعركة الاعلامية - الديبلوماسية التي يخوضها النظام وحلفاؤه، روسيا وإيران، على المستوى الدولي، في ظل الانقسامات الجديدة.

يعتبر النظام ان ما يفعله سياسياً هو امتداد لما كان يفعله سابقاً، وكذلك الأمر بالنسبة الى ما كان يفعله امنياً. لقد كان يعتقل معارضين ويخفيهم في السجون، ويغتال آخرين، ويشرد عائلات، اي ان العنف الامني والمادي كان المقلب الآخر للعنف السياسي. ولم تكن بعض التقارير الحقوقية والاحتجاجات الخجولة، بما فيها تلك التي تحدثت عن مجازر جماعية، تؤثر في التعامل مع هذا النظام. ويمكن القول ان الحل الامني الذي قرره النظام منذ اليوم الاول لاندلاع الحركة الاحتجاجية، وما زال مستمراً في تنفيذه هو ايضاً امتداد واستمرار للعنف السياسي والامني الذي مارسه منذ نشأته. لذلك تراه يفتعل الدهشة ازاء الردود على افعاله الحالية من قمع وتشريد وقتل وتدمير. انه لم يفعل سوى تعميم هذا الاسلوب على كل انحاء البلاد، ورفع درجته الى اعلى سقف ممكن.

الجانب الآخر من الاستفتاء الجديد، يتعلق بالحل السياسي الذي وافق النظام على التظاهر بقبوله على امتداد السنوات الثلاث الماضية. لقد استفاد من هذا الوقت من اجل ان يظهر قدراته على تعميم الحل الامني من جهة. ومن جهة اخرى، التأكيد لحلفائه، في المنطقة وايران وروسيا، انه مستمر في تشكيل هذا الضلع المتوسطي في المعادلة الدولية الجديدة.

في هذا المعنى، لا يستهتر النظام السوري بشعبه وبكل قواعد الديموقراطية والتعددية والرأي العام العالمي والقواعد الدولية والحقوقية والانسانية فحسب. انه يؤكد وفاءه للذين دعموه وحموه ووفروا له الغطاء. وانه يؤكد ان ثمة مرحلة جديدة من ادارة الصراع ليس بينها الحل السلمي والتغيير الديموقراطي في سورية.