رسالة إلى المؤتمرين السوريين في السعودية.. تحديات وعقبات

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

6/12/2015
العربي الجديد
المؤلف: 

هل يشكل مؤتمر المعارضة في السعودية فرصة إيجابية؟ 
ثمّة عوامل دافعة، اليوم، ليكون مؤتمر المعارضة السورية في الرياض مختلفاً بعض الشيء عن مؤتمرات سبقته، منها التوافق النسبي السعودي التركي القطري، أو بالأحرى عدم التنافر، حول قضايا أساسية، تتعلّق بتصوّر الحل السياسي المنشود، والزخم العالمي الدافع لحل المشكلة السورية، ممثلاً بمؤتمر فيينا، وبرغبة معظم الدول، على تناقضاتها، في الخلاص من عبء هذه المشكلة وآثارها، مثل قضيتي الوجود الروسي واللاجئين السوريين، وانتقال أعمال تنظيم داعش إلى خارج حدود سورية والعراق. وأخيراً، هناك ميزة إضافية للمؤتمر على سابقاته، تتمثل بمشاركة السياسيين والعسكر في مؤتمر واحد أول مرة. ولكن، هناك عشرة تحديات وعقبات، تقف أمام المؤتمر، ليكون محطة إيجابية ودافعة للحل: 
التحدي الأول، الإعداد الجيد للمؤتمر: تم الإعداد للمؤتمر من السعودية بشكل رئيسي، وربما عبر استشارة شخصيات سورية، ومن البديهي القول إن عدم وجود مبادرة سورية لتوحيد جهد المعارضة قبل المؤتمر أمر سلبي، ما يعني أن المعارضة لا تبذل أي جهد في مشكلةٍ تخصها بالدرجة الأولى، وتنتظر الآخرين كي يرسموا لها توجهاتها وخطواتها، ومتغافلةً عن حقيقة أساسية، هي أن المؤتمر الناجح ينجح قبل عقده، أي عبر التنظيم الجيد والدعوات المدروسة والجلسات التمهيدية لتحديد نقاط الخلاف المتوقعة والحلول المقترحة، أما ترك جميع الأمور إلى لحظة عقد المؤتمر، فإنه سيجعل من هذا المؤتمر، وغيره، مناسبة جديدة للتفريق وتشتيت الجهد. 

التحدي الثاني، طبيعة المدعوين وتناقضاتهم: تولّد الأسماء المدعوة شيئاً من عدم الثقة بقدرتها على إنجاز شيء مختلف، خصوصاً أنها موجودة منذ خمس سنوات، ولم تنجز ما يُعتدّ به على صعيد توحيد رؤيتها، وتنسيق جهدها، والقيام بدور إيجابي تجاه الثورة السورية. وتضاف إلى ذلك الاختلافات بين السياسيين والعسكر التي لم تعالج، طوال الفترة الماضية، بهدوء وعبر حوار تراكمي. كذلك، هناك الاختلافات بين السياسيين أنفسهم، الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة وهيئة التنسيق مثلاً، والتي قد تؤدي إلى تفجير المؤتمر، خصوصاً أن محاولات عديدة جرت في سياق التوفيق بين الجانبين، وانتهت إلى الفشل، بحكم الاختلاف حول طبيعة الحل السياسي أصلاً، وبحكم عدم الالتزام بالاتفاقات المعقودة بينهما. 
يضاف إلى ما سبق القضية الكردية، وما تطرحة من مشكلات جديدة في ضوء ما يجري على الأرض، خصوصاً أنه لم تكن هناك محاولات جدية للوصول إلى رؤية توافقية حولها. 
لا نبالغ إن قلنا إن نجاح المؤتمر يعتمد، بدرجة ليست قليلة، على طبيعة المدعوين: إدراك اللحظة السياسية والتحديات الراهنة، الخبرة السياسية، المبدئية والشجاعة في آن معاً، وضع مصلحة سورية والسوريين معياراً لأي توجه، وكذلك الثقة بالذات، ففي الحصيلة، هناك حاجة عالمية لدور سوري، ومن دونه لا يوجد حل، على الرغم من وعينا الدور الكبير الذي ستلعبه الدول في عملية التفاوض، وأخيراً التزام المدعوين قرارات المؤتمر في المرحلة التالية، وبناء خطة عمل واضحة. 
التحدي الثالث، اختزال المؤتمر إلى انتخاب وفد مفاوض للنظام: يمكننا، ببساطة، استنتاج أنه لا توجد إرادة لدى المدعوين بانتخاب قيادة سياسية موحدة ومؤقتة، فهيئة التنسيق لن تقبل بوجودها ضمن قيادة مشتركة فيها عسكر، و"الائتلاف" لن يقبل بأي جهة تشاركه "شرعيته"، والعسكر لن يقبلوا، على الأرجح، بمشاركة السياسيين لهم في القرار، تحت وقع الاعتزاز بقوتهم ودورهم على الأرض، وهناك سعي كردي للظهور طرفاً مستقلاً، والمستقلون من الشخصيات المشاركة لا يعرفون، عادةً، على أي جنب يميلون، ما يعني اقتصار أعمال المؤتمر على تشكيل وفد مفاوض للنظام، وهذا ينسجم مع التوجهات الإقليمية والدولية، من دون الانتباه إلى أن هذا الوفد يمكن أن ينحلَّ، مستقبلاً، في حال كان طريق "فيينا"، وما يطرحه من حل سياسي، مسدوداً، وهو الاحتمال الأرجح، فقد يكون مؤتمر فيينا مجرد محطة غايتها إشغال السوريين عدة أشهر ريثما يتم تغيير التوازنات على الأرض، وخصوصاً إذا كان التحليل الأكثر عقلانية يقول بعدم إمكانية رحيل الأسد وفريقه، بالطرق المعروضة حتى اللحظة. 
التحدي الرابع، الأوراق التي ستصدر عن المؤتمر: هناك أهمية لإصدار مجموعة من الأوراق التي يمكن أن تشكل بوصلة حقيقية: وثيقة دستورية/ عهد وطني (سورية الجديدة)، خطة سورية للانتقال السياسي، تضع محددات واضحة لوفد التفاوض (وثيقة جنيف – حل سياسي من دون الأسد)، ميثاق للعمل العسكري المعارض/ مدونة سلوك، نظام داخلي دقيق يسمح بحركة مرنة للقيادة السياسية المنتخبة، أما اقتصار المؤتمر على تشكيل وفد تفاوضي، وتحميله مجموعة من الشعارات العامة، فإنه لن يكون عملاً مفيداً. 

التحدي الخامس، تشكيل وفد تفاوضي مفخخ: من مصلحة سورية والسوريين أن يكون وفد التفاوض السياسي مع النظام موحداً ومتماسكاً. لذا، ينبغي وضع احتمال كبير لتفخيخ هذا الوفد بشخصيات أو قوى يمكن أن تقبل بالأسد، أو محسوبة على روسيا أو إيران أو مصر، على الرغم من وجود احتمال لعدم مشاركتها. وهنا، تأتي ضرورة وضع آليات محدّدة، لضمان عدم تشكيل وفد سياسي ممزق (تشكيل الوفد عن طريق الانتخاب مثلاً)، وكذلك إقرار مبدأ عدم نفاذ أي نتائج، يتوصل إليها وفد التفاوض مستقبلاً، من دون مصادقة مؤتمر المعارضة نفسه عليها. 
التحدي السادس، خطة العمل ما بعد المؤتمر: هنا، تبرز أهمية وضع خطة عمل واضحة، بعد انتهاء أعمال المؤتمر، توزيع المهمات وفقاً للجدارة والكفاءة، تشكيل مكتب علاقات خارجية، يحصر العلاقات الدولية به، بدلاً من التشتت، مكتب إعلامي من الكفاءات يقدم خطاباً وطنياً سوريّاً، توحيد العمل العسكري وبناء استراتيجية واضحة، والتزام القوى العسكرية مدونة سلوكٍ مبنيةٍ على الوطنية السورية. 
التحدي السابع، الضغوط الدولية السلبية: من المهم وضع احتمال حدوث ضغوط من روسيا وإيران ومصر، لإدخال شخصيات محسوبة عليها، أو إفشال المؤتمر بطرق متعددة، أو مهاجمة هذه الدول نتائج المؤتمر، في حال كانت لا تتوافق مع سياساتها، وهذا يتطلب وضع تصورات لمواجهة الضغوط ومحاولات الإفشال المتوقعة. 
التحدي الثامن، خطورة اللحظة السياسية: لا شك في أن اللحظة السياسية الحالية خطرة، خصوصاً بعد الاحتلال الروسي الذي غيّر موازين القوى، وجعل من الروس، بالضرورة، شركاء مباشرين في أي حل سياسي، إضافة إلى تزايد الرغبة العالمية في إنتاج حل سياسي كيفما كان، تحت هاجس الخوف من إرهاب تنظيم داعش، ما يعني إمكانية تقديم تنازلات جديدة أمام النظام السوري. 

التحدي التاسع، القوى السياسية والعسكرية والشخصيات غير المدعوّة: ثمّة شخصيات وقوى سياسية وعسكرية لن تدعى للمشاركة في مؤتمر الرياض، ما يعني ضرورة توقع خطر مهاجمة قوى سياسية وعسكرية مختلفة المؤتمر ونتائجه والقوى المشاركة فيه، استناداً إلى أسباب مختلفة، ولأهداف متباينة، ويستتبع ذلك، أيضاً، تصنيف بعض القوى العسكرية غير المدعوة إلى المؤتمر (باستثناء داعش وجبهة النصرة) في خانة القوى الإرهابية، وما يجره ذلك من خطر تمزّق تحالفات عسكرية معارضة عديدة، ودخول قواها في صراعٍ مسلح يزيد الطين بلّة، ما يعني تغيير أطراف الصراع العسكري بما يخدم بقاء النظام السوري. 
التحدي العاشر، تنسيق الدول الداعمة للمعارضة: هناك ضرورة لانتقال الدول الداعمة، على الرغم من كل النقد الصائب لأدوارها خلال السنوات الماضية، من حالة التنسيق الخجول والهامشي إلى تنسيق فاعل، وهذا ممكن، عبر توحيد رؤيتها في ما يتعلق بالوضع السوري (إصدار إعلان مشترك يوضح هذه السياسة)، وعبر السعي إلى ضم فرنسا إلى هذا المحور، وذهابها، بوضوح، نحو عمل مشترك لسحب ورقة تنظيم داعش من الدول التي أصبحت مترددة إزاء القيام بدور فاعل لإنجاز انتقال سياسي من دون الأسد وجماعته، خوفاً من سيطرة التنظيم، وذلك بالمشاركة الفعلية في محاصرة هذا التنظيم، عسكرياً ومالياً. ولعل أهم تعبير عن تنسيقها المشترك هو دعم إنشاء جيش وطني سوري، وفق خطة واضحة المعالم، بدلاً من التنظيمات العسكرية المتعددة والمتناثرة، والدعم السياسي والإعلامي عالمياً للمعارضة السياسية، والتعاطي السياسي معها، بدلاً من التعاطي الأمني، والتعامل مع مؤسساتها بدلاً من إنشاء أفراد تابعين لها. 
أخيراً، لا تترك التحديات السابقة فرصة كبيرة للتفاؤل، وتوقع نجاح مؤتمر المعارضة في المملكة العربية السعودية، كما يشتهي السوريون. لكن، تبقى محاولة إدراك هذه التحديات ومواجهتها مشروعة وضرورية وأساسية، إن في هذا المؤتمر، أو في مؤتمرات أخرى لاحقة، إلا أن الأهم يبقى ذهاب السوريين في اتجاه إنتاج قوى سياسية، وطنية سورية، بدلاً من القوى الهشّة والمترهّلة الحالية. 

تعليقات