رسالة إلى بشار الأسد

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

16 - 1 - 2019
العربي الجديد
المؤلف: 

في وقتٍ أخذت فيه روائح توبة الملوك والحكام العرب عما اقترفت أيديهم تجاه الشعب السوري، وإعلانهم إعادتهم العلاقات مع بشار الأسد، أرسل المواطن السوري المحامي يونس ناصيف (عضو مجلس شعب سابق) رسالة مفتوحة، عبر صفحته على "فيسبوك"، إلى الرئيس السوري بشار الأسد، يشكو له فيها همَّ السوريين، بعدما يئس من المسؤولين الذين لا يقدرون على حلّ أية مشكلة، مهما صغرت، مما يعانيه الشعب، ومما جاء في الرسالة من وصف لأوضاع سوريي الداخل وأحوالهم "شعب معذّب، مأزوم يفتقد أتفه الأمور" فمن "جرّة الغاز وليتر المازوت، ولحظات النور الضرورية لطلبة المدارس أوائل الليل الشّتوي، ومواسم الامتحانات.." إلى "الفقر والبطالة، والغلاء القاتل، والرّبح الفاحش، وانفلات الأسعار، وغياب الرّقابة التّموينيّة، إلى فوضى المرور، والرّشوة، والفساد العلني في ميادين التّعليم البائس، والإعلام المزيّف، والصحّة، والتّموين، وليس انتهاء بـ: الضّابطة العدليّة، ودوائر الدّولة، والمسابقات التي تجريها.. والتّهرّب الضريبي، أو الاعفاء منها، وعدم عدالتها أساساً.. إلخ". وأعطى أمثلة عن حال المواطن في طعامه وشرابه، مشيراً إلى أنَّ "وجبة البطاطا، وسندويشة الفلافل، طعام الفقير، باتتا حلماً"، وذكر أنَّ "أسرة فقيرة مؤلفة من 5 أشخاص تعيش على واحدة منهما تحتاج إلى 90000 ل. س شهريا..!".

أما عن الأداء الحكومي، فتشير الرسالة إلى أنَّ "الخطاب الرّسمي كذب.. ومثله الخطاب الدّيني"، وتؤكد فشل المنظّمات والاتحادات، وتدني مستوى الفنّ والأدب الى أقصى مدى، وغياب الأداء التّمثيلي الحقيقي في المجالس المحليّة، ومجلس الشّعب، وفقدان الثّقة بهؤلاء جميعاً، وبطريقة اختيارهم، إلا ما رحم ربي..". وتتعرَّض الرسالة إلى انعدام الأمن فتقول: "السيارات (المفيَّمة) والأخرى التي لا تحمل لوحات، والخطف، والقتل، والدّعس، والسّطو، والسّرقة، والسّلب بالعنف، واجتياح الغابات التي عمرها مئات السّنين، واستباحتها حتى الجذور، من دون أن تتجرأ كل الأجهزة المعنية والمسؤولة على أن توقف أيَّ سيّارة أو شخص من هؤلاء المعروفين، والملاحقين جنائياً، ولكن على الورق فقط، والأغرب أنّهم محميّون بكلّ ما تعني الكلمة، ومما يؤسف له أنَّ لهم الصّدارة في أجهزة الدّولة".

وعن كثرة المزايدين والمسبّحين بحمد القادة دائماً وأبداً، أشار إلى اجتماع نقابي حضره الرئيس نفسه، وطالب الحضور بـ"الكلام ملء الفم والقلب"، يكتب صاحب الرسالة: "لم أسمع جملة مفيدة في السّياسة من قائد نقابي، ويا للأسف. وقد حاولت أن أقول ما بنفسي أمام سيادتك، وكادت يدي أن تطير من كتفي، مطالباً بحقي في الكلام، ولكن من دون جدوى، إذ لم أعط ذلك الحق".

أهمية هذه الرسالة من أنها أولاً: موجهة من مواطن بعثي موالٍ للنظام، ويتمتع بحس وطني وشعبي عاليين. ويشعر كذلك بمسؤولية تجاه النظام الذي يعده وطنياً و"مقاوماً". وثانياً: بما تتضمنه من أسلوبٍ تجاوز الحال الطبيعية التي اعتاد عليها المواطن السوري في الحصول على مطالبه، وحقوقه، ما يشير إلى أن الوضع الاجتماعي فاق، في تدهوره وسوئه، كل تصور، فعلى الصعيد السياسي، تتهافت دول عديدة على حصص ترجوها من الكعكة السورية، في وقتٍ لم يعد فيه أي دور سياسي للنظام، إذ توزعت أركانه في اتجاهاتٍ شتى، وكل بحسب هواه ومصالحه.

وقد تردّى الوضع الاقتصادي إلى أدنى مستوى له، فيفيد تقريرٌ، نشره مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، بأن الديون السورية الخارجية تقدَّر بـ60 مليار دولار، وقد تناقص الاحتياطي في البنك السوري المركزي من 20 مليار دولار قبل العام 2011 إلى 700 مليون دولار اليوم. وبحسب بعض الاقتصاديين، وصلت نسبة تراجع الليرة السورية الحقيقية إلى 1000%. وستفرض هذه الديون نفسها على الاقتصاد السوري، وستشكل أبرز الملفات التي ستواجه الأجيال المقبلة في سورية، وتجبرها على تسديد فواتيرها الضخمة تحت عنوان خدمة الدين العام، إلى أن تتمكن بعد عقود من تسديدها. ولتشكل حجر عثرة في طريق نهوض هذا البلد، وتعافيه من الآثار المدمرة التي أحدثتها الحرب.

والواقع الذي تتحدث عنه الرسالة نتيجة لسياسة واحدة خاطئة، استمرت خمسين عاماً. سياسة الفرد الواحد، والحزب الواحد، والصوت الواحد، والتي أنتجت مراكز قوىً في أجهزة الأمن وكبار ضباط الجيش، مراكز فردية لا تُخلص إلا لمصالحها، وبعضها أو معظمها، صار في العقدين الأخيرين، وربما قبل ذلك، مرتهناً للخارج، وينفذ أوامره.. وما تتضمنه هذه الرسالة من توصيف دقيق وشامل لحال الشعب السوري البائسة، إضافة إلى ما تكتبه بعض الصحف من شكاوى، في إطار المسموح به، أقلُّ بكثير مما على الأرض. ما ينذر بمتابعة الثورة من الداخل، لا من خلال ما وصلت إليه سورية من تدمير للوطن، وتقطيع لأوصال الشعب، وتمزيق لأرواح أبنائه، بل مما آلت إليه أوضاع الشعب، ولا شيء يبشر بحلول قريبة. وقد أخذ إدراك جديد يتنامى بأن من يتحمل مسؤولية كل ما حصل، سابقاً ولاحقاً، ذلك الذي جعل همَّه كلَّه تحويل الدولة إلى سلطةٍ مطلقةٍ، تقوم على التفرّد في الحكم، واحتكار الرأي والسياسة، والمال، والاقتصاد، والتشريع. ثم تتسبب بقتل مئات ألوف الشباب والرجال من الموالين، تحت زعم حماية الوطن. وما المسؤول الأول عن ذلك كله إلا رأس هرم السلطة الذي ترجوه الرسالة، أو لعلها تحتمي به من جلاوزته الفاسدين المفسدين.

وفي ما يخصُّ ظاهرة الفساد، تعيد الرسالة إلى الأذهان حادثة ذات دلالة، فمنذ أيام حافظ الأسد نفسه، وفي أواسط السبعينيات، أخذت روائح الفساد تنتشر في الفضاء السوري، ما دعا رأس هرم السلطة إلى تشكيل لجنة للمحاسبة في 17 أغسطس/ آب 1977 عرفت، حينها، بلجنة "الكسب غير المشروع"، وباستمارة "من أين لك هذا..". وأسندت رئاستها آنذاك إلى عضو في القيادة القطرية، وتألفت من رئيسي المحكمة الدستورية العليا، محكمة النقض، وبعض رؤساء الاتحادات النقابية. وفشلت اللجنة عندما اصطدمت، منذ مباشرة عملها، ببعض الفاسدين المنسلين من "عظم الرقبة"، والضاربين بسيف السلطان، وقد "انتُحر" أحد المتورطين معهم، إذ ألقي به من شاهق، ويعتقد أنَّه من شركاء رفعت الأسد، ثم أغلقت اللجنة، وغابت عن الوجود، على الرغم من بقائها على الورق. ومثلها أيضاً جاء إرغام عبد الرؤوف الكسم على الاستقالة من رئاسة الحكومة (1980 – 1987)، حين أراد محاربة فساد كبار ضباط الجيش، بهاتف من أحدهم يهدّده بالقتل. إذ عَدَّ هذا الأمر مساساً بهيبة المؤسسة العسكرية. وعلى ذلك النحو، صُنِّعت حيتان الفساد تلك، ولم تزل، وإن تبدلت وجوهها وأشكالها، وتجدّد أسلوب فسادها.

ولدى مجيء الوريث، بشار الأسد، رئيسا، والبدء بعمله تحت شعارات: "التحديث والتطوير، ومكافحة الفساد.."، لم تثمر أيّ من تلك الشعارات، لأنها لم توضع في التطبيق العملي، فقد ألغيت المنتديات التي كانت قد حظيت بجرعة حرية في البداية، وإن بقيت، تحت رقابة المخابرات، شهورأ، لكن السلطة التي تأسست بأركانها الأمنية والعسكرية على إخضاع الآخر لم تحتملها، فأغلقتها، كما اعتقلت، في ما بعد، بعض رموزها. أما مشاريع التطوير والتحديث التي وضعت أمام "السيد الرئيس" فقد ظلَّ يقلِّب أوراقها عشرة أعوام من دون جدوى.

ويؤكّد كل ما ذكرته الرسالة أمراً واحداً، ويعيه صاحبها جيداً، وهو أن حل مشكلات الشعب السوري، بل كل شأن يخصُّ الدولة السورية، وخصوصا بعد كل هذا الخراب، لا يكون إلا بالتغيير الجذري لهذا النظام الذي تحوَّل، بفعل الزمن والفساد والتخلف، على غير صعيد، إلى مستنقع آسن، إذ لم تتجدّد مياهه على مدى خمسين عاماً، فليس فيه اليوم غير الروائح الكريهة والديدان القاتلة. ولا مياه جديدة صافية إلا مع الديمقراطية الواسعة والصحافة الحرة، وعبر تعددية سياسية حقيقية، تفسح في المجال لإعلام تحميه القوانين، أولاً، ليعبر عن هموم المجتمع، ويشير إلى أعدائه الحقيقيين، ويهتم بالتنمية أساس كل ارتقاء اجتماعي، ويفضح الفسادَ والتطرفَ من أي جهةٍ أو إيديولوجية جاءا. وعند ذلك فقط، يكون مرشداً لبرامج إصلاحية مفيدة، وهذا ما يفتقده النظام، ولو كان يملكه أو لديه إرادته لكان فعل. ولن يغير من الأمر شيئاً هذا التهافت الحكَّامي العربي القادم إلى سورية، بإرادة دولية، إذ إنَّ المسألة، في جوهرها، سورية محضة.

تعليقات