رسالة من سورية: لا تلجأوا إلى الأسد لمواجهة داعش

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

the Huffington Post
المؤلف: 

(ترجمة السورية)

إن أرادت أوروبا إيجاد حل لمشاكل الشرق الأوسط فسيكون عليها إصلاح عدد من مفاهيمها الخاطئة حول سورية.

أهمها إدراك أن الخطر الأكبر ليس تنظيم "داعش" وإنما نظام الأسد، حيث يخوض كلاهما قتالاً شرساً حتى الموت ضد حليف أوروبا الوحيد: الثوار.

التعاون مع الأسد ليس من صالح أوروبا

لقد دمر نظام الأسد حياة الملايين من السوريين. قتل مئات الآلاف منهم، وتسبب بنزوح نصف المدنيين من بلادهم وذلك من أجل الحفاظ على السلطة.

 وثّقت الأمم المتحدة عشرات آلاف السجناء الذين تعرضوا للتعذيب، وآلاف الأطفال الذين جُوّعوا حتى الموت نتيجة الحصار المفروض عليهم، بالإضافة إلى الذين ذُبحوا في الأرياف من قبل رجال المليشيات. لم تبلغ عناوين الأخبار سوى حفنة من هذه الأحداث، مثل مجزرة الحولة في عام 2012.

إن مثل هذه الجرائم التي اُرتكبت بحق الإنسانية ليست من تراث نظام الأسد فحسب: بل إنها سياساته اليومية التي مازالت تمارس إلى الآن.

السبب الذي يمنع الديمقراطيات الغربية من التعاون مع نظام الأسد كما فعلت قبل عام 2011 واضح. فأوروبا، التي شجعت ودعمت ثورة سورية الشعبية، لم تغض الطرف عن معاناة الشعب وحسب بل وساعدت الأسد على القضاء التام على كل من يتجرأ على نقده؟

لقد تحدثت إلى رامي الجراح، الصحفي السوري المستقل الذي يرسل تقاريره من حلب خلال غارات التحالف ضد داعش. أخبرني أنه لا يستطيع سوري- يعيش تحت القصف المستمر للأعوام الثلاثة الماضية،- فهم السبب الذي قد تقوم لأجله أي ديمقراطية غربية بدراسة التعاون مع مجرم حرب كالأسد. الرأي العام في حيرة الآن، إن لم يكن مشمئزاً وغاضباً، من قرار الولايات المتحدة وحلفاءها في قصف داعش في سورية دون مس طائرات الأسد. يشعر المدنيون في حلب الآن بأنهم يُقصفون من قبل الأسد نهاراً، ومن قبل التحالف ليلاً. حسبما يرون، فلا أحد يأبه بهم – ولا حتى أوروبة.

يحذرني جراح من أن التعاون مع الأسد لمواجهة داعش خطير للغاية، وقد يؤدي إلى نتائج عكسية. فهذا التعاون سُيبقي داعش وكأنها الخصم الوحيد الواضح للنظام، مما سيجعلها مصدر جذب أكبر للسوريين، المستاء معظمهم من داعش، ولكن العديد ينضمون إلى صفوفها لاعتقادهم بأن لا خيار آخر، فهي الأقوى بل والخيار الأقل سوءاً.

أما الجيش السوري، فلا يملك القدرة الحربية ولا الدافع المطلوب ليواجه مقاتلي داعش. فلقد عمد على تجنب استهداف قواعد داعش العسكرية، واتجه إلى قصف مناطق المدنيين في مدن سورية كبرى. والحقيقة هي أن أولوية داعش والحكومة السورية هي القضاء على ثوار سورية، الذين يحاربون نظاميهما الدكتاتوريين.

داعش ليست الخطر الأساسي

قُتل غالبية المدنيين بقنابل الأسد، ومدفعيته وغرف تعذيبه. حتى جرائم داعش البشعة ليس بالإمكان مقارنتها مع جرائم الديكتاتورية العسكرية الأكثر وحشية في العالم العربي التي حولت سورية إلى أسوأ أزمة إنسانية من عقود.

لقد سمح النظام السوري لداعش بالنمو، كي يبرر للمجتمع الدولي تمسكه المستمر بالسلطة. لذا فطالما فشلت أوروبة والولايات المتحدة بفهم هذا، وطالما تجاهلنا ما وعدنا به من دعم ثوار سورية ضد الأسد وداعش على حد سواء، فإنهم سيعتبروننا متواطئين بارتكاب المجازر بحقهم. وخلال ذلك، فإن الأصوات المتطرفة هي التي ستتخذ القرارات، لا الديمقراطيات الغربية.

لا وجود لحل سياسي دون دعم الثوار

طالما بقي الثوار ضعفاء، كما كانوا خلال محادثات جنيف، فلا يوجد دافع للأسد للتفاوض. لقد تدفقت الأسلحة والأموال إلى جماعتي داعش وجبهة النصرة المتشددتين، ولكن جماعات الثوار الأخرى لم تتلقَ شيئاً. إنها مثل كل جماعات المعارضة في سورية اليوم، إسلامية: ولكن معاملتها للمدنيين والأقليات، لا تشبه معاملة داعش على الإطلاق. ومهما بدا ذلك سخيفاً، إلا أن الدعم العسكري الوحيد الذي تلقته هذه الجماعات إلى الآن هو البذل والهواتف.

ما أن يصبح هنالك بديل لداعش وللنصرة، حتى سيعود المقاتلين إلى الثوار. فعندما تم وعد سليم إدريس، رئيس أركان الجيش السوري الحر، بالأسلحة من قبل الدول الأوروبية، كانت معنويات جنوده عالية، ولكن ما أن تبين أن أوروبة غيّرت رأيها ولن تقدم شيئاً، هجرته العديد من كتائبه وانضمت إلى مجموعات أكثر تطرفاً كالنصرة.

إن تأمين الثوار يعني تأمين المساعدات، كذلك الأمر إمكانية الدخول الآمن للمنظمات غير الحكومية وللصحفيين. وإن زيادة وجود وسائل الإعلام سيعني زيادة التحقق مما يجري على الأرض، والقدرة على مواجهة الادعاءات الخاطئة، وبالتالي إمكانية اتخاذ قرار أكثر محيطاً للأحداث من قبل العالم الخارجي. أما مع غياب الصحفيين والمساعدات الإغاثية، فسيستمر الوضع السوري بالتدهور. إن تم إجبار الأسد على التفاوض، فسيكون هنالك أمل لتسوية سياسية، وإلا، فإن إراقة الدماء ستستمر إلى أجل غير مسمى.

الدعوة المهمة ميدانياً الآن، كما يخبرني الجراح، أن تقوم أوروبة بمساعدة الثوار. علينا إرسال رسالة أمل للشعب السوري مفادها أننا: "لن نخذلهم".

علينا دعم الأصوات الدمقراطية القليلة المتبقية في سورية قبل أن نخسرها.