رمال الشرق الأوسط المتحركة والتوازنات الإقليمية

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

18/ 06/ 2014
المؤلف: 

تمكنت الحرب العالمية الأولى من تفكيك الإمبراطورية العثمانية في الشرق الأوسط، وتقسيمها إلى عدة محميات إقليمية وفق اتفاقية سايكس- بيكو 1916 وضعت تحت الانتدابين الفرنسي/ الإنكليزي، والذي هو تعبير أوروبي ملطف بديل عن مفردة الاستعمار سيئة الصيت، وما إن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها 1945 حتى برزت أمريكا وروسيا (الإتحادالسوفيتي سابقاً) كقوتين رئيسيتين عالمياً بدلاً من بريطانيا وفرنسا اللتين خرجتا من الحرب منهكتين، ولم يعد باستطاعتهما قيادة مستعمراتهما كما كان سابقاً. واستلمت زمام القيادة العالمية القوتان البارزتان أمريكا/ روسيا ليعيدا ترتيب الخارطة الجيوسياسية في أوروبا والشرق الأوسط طبقاً لنفوذهما ولمصالحهما الاستراتيجية في اتفاقية يالطا عام 1945 بين الدول المنتصرة في الحرب، واستقر الرأي على اعتماد خارطة سايكس/ بيكو مع تعديلات طفيفة، وإلغاء سياسة الانتداب، ومنح الأقاليم المنتدبة استقلالها السياسي الكامل، والسماح لليهود بتأسيس دولتهم فوق أرض فلسطين تنفيذاً لوعد وزير الخارجية البريطاني لويد بلفور لليهود عام 1917، ومنعت الأكراد من هذا الحق حيث شطبت جمهورية مهاباد الكردية من الخارطة، وكل ما يتعلق بالحقوق الكردية والأرمنية، بذلك استقرت خارطة الشرق الأوسط الجديدة على الدول القائمة حالياً.

 

وحصلت تجاذبات كبيرة وصراع بين عدة قوى في المنطقة، وحروب مع اسرائيل، وانقلابات عسكرية في معظم دول المنطقة في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، إلى أن حصل نوع من التوازن بين دول المنطقة، واستقرت على أربع قوى أساسية هي: تركيا وإيران وإسرائيل و(مصر والسعودية) عربياً، وبالرغم من كل المناكفات والصراعات الجانبية والحروب بينهم بين حين وآخر بحثاً عن نفوذ أكبر في المنطقة على حساب الآخر، إلا أنها فشلت جميعها، لأن لكل قوة من هذه القوى حليفها الاستراتيجي الدولي، إما روسيا السوفيتية، أو أمريكا، ولا يقبلان بأي شكل من الأشكال الإخلال بالتوازن المرسوم من قبلهما في المنطقة، رغم محاولة البعض تشكيل محور ثالث دولياً (جمال عبد الناصر والرئيس الهندي نهرو واليوغسلافي تيتو) سميت بدول عدم الانحياز عام 1955، إلا أنها لم تستطع الصمود في وجه القوتين الرئيسيتين المتحكمتين في السياسة الدولية بقوة، وفشل المحور بعد عدة مؤتمرات دولية لم تفضي إلى تقدم يذكر، لكن وبعد انهيار جدار برلين عام 1989، وانهيار المحور السوفيتي نهائياً عام 1991، وسيطرة المحور الأمريكي بقوة على المعادلات الدولية، اختلت التوازنات في الشرق الأوسط أيضاً، وبدأ كل قطب من الأقطاب الأربعة يحاول الهيمنة كل حسب أسلوبه الخاص وفهمه السياسي للأحداث، وبدا واضحاً أن المحور العربي هو الأضعف بين الأقطاب الأربعة نتيجة تخلف بنيته الاقتصادية، وفساد جهازه الإداري، وفشله في التنمية المستدامة، لمواكبة التطورات التاريخية والسياسية المتسارعة، والضاغطة على المنطقة، إضافة إلى قمعه العاري للشعوب، مما اضطر معظم الكوادر العلمية المؤهلة لدفع التنمية في بلدانها إلى الأمام إلى الهروب خارج بلدانها، كما أن الخلافات العربية/ العربية لم تنتهي حتى اليوم، ولم تتفق الدول العربية على موقف موحد في كل القمم الرئاسية والوزارية إلا على العمل المشترك في وزارتي الداخلية والإعلام فقط، وهما المؤسستان اللتان تمارسان الإرهاب المنظم وكم الأفواه بحق شعوب بلدانهم، على عكس تركيا وإيران وإسرائيل الذين واكبوا التطورات الدولية والإقليمية من النواحي السياسية والإقتصادية والعسكرية، ولكل واحدة منهم أجنداته الخاصة، به فتركيا التي تمكنت من إعادة هيكلة بنيتها الاقتصادية، واستطاعت خلال فترة قصيرة من أن تصبح الدولة رقم 16 من بين الدول المتقدمة اقتصادياً على الصعيد العالمي، وتبحث عن أسواق التصريف والعمل في البلدان العربية وآسيا الوسطى، متسلحة بعلاقات تاريخية ذات بنية دينية سنية مستمدة من إرث الإمبراطورية العثمانية، التي حكمت الجغرافية العربية الحالية لأكثر من أربعة قرون من الزمن، مستغلة تخوف العرب من التمدد الشيعي الفارسي الحثيث في العالم العربي، وبدا أن التاريخ يعيد نفسه بين العثمانيين الجدد والصفويين الجدد حول الصراع على المنطقة، وبما أن معظم الحكومات العربية سنية الطابع، فإنها لا تجد صعوبة في بناء علاقات سياسية واقتصادية جيدة معها.

 

أما في إيران الشيعية فمنذ أن سيطر الملالي على دفة الحكم فيها وهي تردد ليل نهار بأن ثورتها إسلامية الطابع، وعابرة للجغرافية الإيرانية الإسلامية، وتستغل القضية الفلسطينية والتيارات الإسلامية التي تتعرض للإقصاء (الإخوان المسلمين وغيرهم) من قبل الأنظمة العربية، وكذلك تستغل الكتل الشيعية المهمشة في تلك البلدان للتمدد داخل الجغرافية العربية، كما أنها تمكنت خلال السنوات الماضية من بناء ترسانة عسكرية قوية وتتجه نحو التسلح النووي، لذلك فهي تمارس سياسة الترغيب والترهيب في تنفيذ أجنداتها السياسية والدينية.

 وعليه نستطيع القول بأن ما يدور من صراع دموي في سورية والعراق اليوم يدخل في صلب الأجندات الإيرانية التوسعية، بينما إسرائيل وعلى الرغم من صغر الجغرافية الحاضنة لها، وقلة عدد سكانها، فإنها تعتبر من الدول المتقدمة تكنولوجياً على الصعيد العالمي، وتُصدر مختلف المعدات العسكرية المتطورة، وتملك ترسانة نووية كبيرة، وبما أن وضعها السياسي غير المريح عربياً، نتيجة العداوة الدائمة مع المحيط العربي، فإنها تقوم بالعمل من خلف الستار، وتحرك الكثير من أوراق اللعبة في الشرق الأوسط، إما من خلال جهازها الإستخباراتي القوي، أو عبر حلفائها الأمريكيين والأوروبيين، فهي الحاضر الغائب دوماً والرابح دوماً.

وعلى ضوء ما تقدم نلاحظ أن المحور العربي هو الأضعف من بين كل هذه المحاور المتصارعة في وعلى الشرق الأوسط، ويريد كل واحد أن يكون له نصيب ونفوذ في كعكة الجغرافية العربية، خاصةً إذا علمنا أن ثورات الربيع العربي لم تحقق أهدافها المرجوة منها في الحرية والتنمية لبلدانها، لا بل صار الوضع أكثر تعقيداً مما قبل، من خلال هيمنة القوى الإسلامية المتشددة على القرار السياسي في بلدانها، خاصةً مصر، حيث سيطر الإخوان المسلمون على الحكم وقاموا بنسج علاقات مع تركيا وإيران أشبه ما تكون بالتبعية منها إلى التحالفات، وبالتالي لم يكن غريباً أن تتحرك السعودية مبكراً لإنهاء الوضع قبل أن تخرج المبادرة من يدها، فكان انقلاب السيسي العسكري والمدعوم شعبياً. وتتكرر التجربة الآن في ليبيا، والصراع محتدم في سوريا والعراق واليمن، ورمال الشرق الأوسط المتحركة لا تستقر إلا على وضع وتوازن جديدين، والمرحلة القادمة حبلى بتطورات أكثر دراماتيكية مما نراه اليوم، وليس واضحاً بعد بأن ما يحدث اليوم هو صراع إقليمي بحت، أم بوادر لنظرية الفوضى الخلاقة أمريكياً ونشوء الشرق الأوسط الجديد.