رهان السلطتين في العراق ولبنان

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

11 نوفمبر/تشرين الثاني 2019
العربي الجديد
المؤلف: 

 

على الرغم من مرور أسابيع على الانتفاضتين الشعبيتين في العراق ولبنان، لا يبدو أن السلطتين في البلدين في طريقهما إلى التجاوب بشكل جذري مع المطالب المرفوعة من المحتجين، بل هما تلجآن إلى محاولات تهدئةٍ عبر سلسلة من خطوات عقيمة، لا تقدم ولا تؤخر، ولا تلبي أياً من الآمال التي يعقدها مئات الآلاف الذين اجتاحوا الشوارع لتغييرٍ لا يقف عند حدود تعديل وزاري، أو استقالة رئيس حكومة، بل يطمحون إلى إعادة النظر في مجمل النظام الحاكم وطريقة تعاطيه مع مقدّرات البلاد، إنْ لجهة توزيع الحصص السياسية أو الغنائم المالية، وهو أمر يتشابه إلى حد التطابق في العراق ولبنان، حيث الحسابات الطائفية المعقدة تلعب الدور الأبرز في مسار الحكم. 

السلطتان في البلدين، كما يوضح تعاطيهما، ليستا في وارد التنازل عن كل المكتسبات التي ترى الطبقة السياسية أنها حققتها لنفسها، وهما تراهنان بشكل كبير على الملل وتسلل الفوضى إلى أركان الانتفاضتين، وهو ما يبدو أنه استراتيجية معتمدة في لبنان والعراق. بداية يمكن تبيان ذلك من المماطلة في التعاطي مع طلبات المحتجين، ففي لبنان على سبيل المثال، وبعد مرور أكثر من أسبوعين على استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري، لا يبدو أن الأطراف السياسية في وارد محاولة تهدئة الاحتجاجات بتقديم حكومة بديلة، ترفع شعارات محاربة الفساد وإنهاء المحاصصات، بل على العكس من ذلك تماماً، فالخلاف على الحصص السياسية والطائفية يمثل اليوم العقبة في طريق بدء الرئيس اللبناني الاستشارات النيابية، والتي تشكل دستورياً خطوة ضرورية لتسمية رئيس حكومة جديد. أداء الطبقة السياسية يؤشر إلى أنها لم تتعلم شيئاً من الانتفاضة الشعبية، أو أنها لا تنظر إليها بعين الجدية، وتراها مجرد هبة ستنتهي كما انتهى غيرها، ولن يكون لها ذاك التأثير على شكل الحكم في لبنان، والذي تتفق عليه الأطراف السياسية كافة، رغم الخلافات التي بينها. غير أن الرهان إلى اليوم يبدو فاشلاً، والانتفاضة الشعبية تجدد نفسها، وتبتكر أساليب لم ير لبنان مثلها من قبل.
الأمر نفسه يحصل في العراق، فها هو رئيس الحكومة، عادل عبد المهدي، يعد المتظاهرين بتعديل حكومي ومحاسبة مستهدفي المتظاهرين، متجاهلاً أنه على رأس المطلوب تغييرهم في البلاد، وهو ما ينسحب أيضاً على المشاورات السياسية لاستبدال عبد المهدي والخلاف على الحصص في الحكومة المقبلة، وكأن كل ما تشهده ساحات العراق، وكل الدماء التي نزفت، لم تدفع الطبقة السياسية لتغيير نهجها في التعاطي مع الشأن العام.
إثر فشل سياسة المماطلة، يبدو أن السلطات في البلدين، وتحديداً في لبنان، تراهن على سيناريو آخر، وهو سيناريو الفوضى والانهيار الاقتصادي، والتخويف من حربٍ أهليةٍ مقبلة. وهو ما يمكن استبيانه بوضوح من الإشارات التي تصدر عن النظام المالي، وارتفاع أسعار السلع، وانقطاع المواد الأولية، وخصوصاً البنزين، في محاولة لإعطاء انطباع أن الثورة القائمة في البلاد تقودها إلى الخراب، رغم أن الحقيقة هي عكس ذلك تماماً، أي أن الخراب الذي قادت الطبقة السياسية البلد إليه هو ما أدى إلى الهبة الشعبية الحالية. تطبيق هذا السيناريو أيضاً يقوم على التغاضي الأمني عن التجاوزات التي ترتكب باسم الثورة، رغم أنها لا تمت إليها بصلة، في محاولة لحث الفئات الكثيرة التي لم تنزل إلى الساحات، والتي يطلق عليها في العادة "حزب الكنبة"، إلى الخروج من موقفها المحايد والانقلاب على الحركة الاحتجاجية. لكن هذا الرهان سقط أيضاً، حتى الآن، إذ انضم أعضاء هذا "الحزب" إلى الاحتجاجات من منازلهم عبر قرع الطناجر التي ضجت بها بيروت ومختلف المناطق اللبنانية.
رهان السلطتين في العراق ولبنان سيستمر، وسيلجأ الطرفان إلى وسائل جديدة، وهو ما يفرض على المحتجين وضع استراتيجية لمواجهتها، ربما بداية عبر الاتفاق على سلسلة واضحة من المطالب، تتخطى الجانب الاجتماعي، والتي من دونها لن تكون هناك نهاية للاحتجاجات.