رهان النظام السوري على 'داعش'

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

15/9/2014
العرب اللندنية

هل رهان النظام السوري على “داعش” في محلّه؟ بغض النظر عن مدى جدّية إدارة الرئيس باراك أوباما في مواجهة “داعش”، وبغض النظر عن قدرة هذه الإدارة على إجراء التغيير المطلوب في العراق، والذي من دونه لا أمل حقيقيا في الانتهاء من “داعش”، يبقى رهان النظام السوري على الاستفادة من الحرب على “داعش” مثيرا للاستغراب.

سارع النظام السوري إلى الإعلان، عبر غير مسؤول فيه، عن رغبته في أن يكون جزءا من التحالف الدولي الواسع الذي يسعى أوباما إلى تشكيله من أجل القضاء على "داعش".

ذهب النظام السوري، وهو حليف موضوعي للإرهاب بكلّ أشكاله، إلى الاحتجاج مسبقا على أي عمليات عسكرية أو ضربات تستهدف “داعش” داخل الأراضي السورية، من دون التنسيق معه. حجته في ذلك أن مثل هذه العمليات العسكرية أو الضربات الجويّة ستشكّل “مساسا بالسيادة السورية”. هل من نكتة أكثر سماجة من هذه النكتة، التي يختزلها كلام الناطقين باسم النظام السوري، الذي يذبح شعبه يوميا، عن “السيادة الوطنية”؟قد تكون هناك ثلاثة شروط لنجاح مقاربة باراك أوباما لـ “داعش”.

يتمثّل الشرط الأوّل في وضع “داعش” في إطار الأزمات التي يعاني منها الشرق الأوسط. تبدأ هذه الأزمات بالتطرّف والجهل والأمّية، وتنتهي بالقضية الفلسطينية، التي تبقى قضيّة حقوق شعب موجود على الخريطة السياسية للمنطقة يسعى إلى التخلّص من الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وإقامة دولته المستقلة.

لا تزال إدارة أوباما تفصل بين أزمات الشرق الأوسط، في معظم الأحيان. هناك مثلا تركيز على الملفّ النووي الإيراني، الذي يصبح فجأة لبّ أزمات الشرق الأوسط. تتجاهل واشنطن أنّ ما يهمّ العرب عموما، ليس الملفّ النووي الإيراني. ما يهمّهم هو المشروع التوسّعي الإيراني الذي يستثمر في الغرائز المذهبية، أكان ذلك في البحرين أو في اليمن أو في العراق وسوريا ولبنان، وصولا إلى السودان الذي اضطر حديثا إلى وضع حدّ للنشاط الإيراني في المجال الديني.

أمّا الشرط الثاني، فمرتبط بسؤال. هذا السؤال هو لماذا استطاعت “داعش” التمدد في العراق والسيطرة على مدينة مثل الموصل وتهديد أربيل؟ أوليس السبب الرئيسي الظلم الذي لحق بسنّة العراق بعد تسليم الولايات المتحدة البلد إلى إيران؟ هناك مناطق عراقية واسعة على تماس مع الأراضي السورية وفّرت حاضنة لتنظيم إرهابي متخلّف مثل “داعش”، بعدما مارست حكومة نوري المالكي، السعيدة الذكر، كلّ أنواع التمييز والقهر في حقّ أهل السنّة العرب والأكراد والتركمان. لم ينجُ من هذه الممارسات أبناء الأقلية المسيحية ولا أي أقلّية أخرى في العراق. لا يمكن التمييز بين تصرّفات “داعشية” يمارسها السنّة، وأخرى يمارسها الشيعة. لم يعد من مفرّ، من أجل مواجهة “داعش”، بكلّ ما تعنيه من وحشية، سوى تغيير جذري في ذهنية الذين يمارسون السلطة في العراق.

من دون هذا التغيير الذي يجعل من حكومة الدكتور حيدر العبادي حكومة كلّ العراقيين، وكلّ الطوائف والمذاهب والقوميات، وليست حكومة الميليشيات المذهبية المرتبطة بإيران، لا مجال بأيّ شكل لحرب ناجحة على “داعش” أو الإرهاب…

يبقى الشرط الثالث وهو محوري في الحرب على “داعش”. مختصر هذا الشرط أن النظام السوري جزء لا يتجزّأ من “داعش”. إنّهما وجْهان لعملة واحدة. كان رهان النظام على “داعش” في كلّ وقت سواء عندما أرسل إرهابيين إلى العراق، وذلك باعتراف نوري المالكي نفسه، أو عندما أراد تصوير الشعب السوري المنتفض في وجهه بأنّه ليس سوى مجموعة “عصابات إرهابية".

ما يحاول النظام السوري عمله الآن هو استعادة سيناريو العام 1990 عندما غزا صدّام حسين الكويت. انضم النظام السوري، وقتذاك، إلى التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة لتحرير الكويت. انضمّ عمليا إلى تحالف حفر الباطن الذي أخذ على عاتقه إعادة الكويت إلى أهلها.

كان قتال قوات نظام حافظ الأسد إلى جانب القوات الأميركية خطوة في غاية الدهاء، خصوصا أنّ الأسد الأب قبض مسبقا ثمن مشاركته في التحالف الدولي. قبض الثمن في لبنان حيث سمح له عسكري مسيحي أرعن اسمه ميشال عون، يعتقد أنّه قادر على لعب دور سياسي، بوضع يده على كلّ لبنان. كان ميشال عون، وقتذاك، في قصر بعبدا وكان حليفا لصدّام حسين الذي دعمه، بعد وساطة من ياسر عرفات، بكلّ ما يستطيع أن يدعمه!

يرفض بشّار الأسد، على سبيل المثال، أخذ العلم بأنّ العالم تغيّر، وأنّ جريمة المشاركة في اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه والجرائم الأخرى التي تلتها هي في حجم غزو صدّام حسين للكويت.

نحن في السنة 2014 وليس في السنة 1990. لو لم يتغيّر العالم، لكان جيش النظام السوري ما زال في لبنان!

يرفض النظام السوري أخذ العلم بخروجه من لبنان، حتّى، وبأنه يخوض حربا مع شعبه. يرفض أخذ العلم بأنّ الظروف الإقليمية والدولية التي كان يتحرّك حافظ الأسد في ظلها كانت مختلفة كلّيا، وأن دهاء الأسد الأب ومعرفته بموازين القوى القائمة كانا يسمحان له بالمناورة. كان الأسد الأب يناور حتّى مع إيران، ويلعب ورقتها في عملية ابتزاز مستمرّة للعرب الآخرين، خصوصا أهل الخليج.

هناك الآن نظام سوري يمارس الإرهاب في حقّ شعبه. هذا النظام لا يعرف أنّ التاريخ لا يعيد نفسه ما دامت الظروف تغيّرت. تغيّر الظروف، بما في ذلك داخل سوريا نفسها، لا يسمح له بالانضمام إلى تحالف دولي يحارب الإرهاب.

فوق ذلك كلّه، بات معروفا دوليا وإقليميا أنّه في حال كان لا بدّ من التعاون مع طرف ما والتفاهم معه في شأن مواجهة “داعش”، فإن هذا الطرف قد يكون إيران التي تسيطر سيطرة تامة على النظام السوري وعلى الذين يتولون حمايته، على رأسهم “حزب الله”. لكنّ التعاون مع إيران ما زال يحتاج إلى توفر شروط معيّنة تلتزمها طهران بشكل جدّي وليس على سبيل المناورة كما عادتها…

لم يعد من مكان للنظام السوري في الإقليم. هذا النظام أدّى الدور المطلوب منه في خدمة إسرائيل. مارس ألاعيبه في السبعينات والثمانينات والتسعينات من القرن الماضي. العالم تغيّر. النظام السوري يرفض أن يتغيّر. إنّه يقرأ من كتاب قديم تجاوزه الزمن غير مدرك أنّه صار مجرّد ورقة إيرانية لا أكثر مثله مثل “حزب الله” في لبنان على سبيل المثال وليس الحصر. صحيح أنّه لم يبقَ لديه من رهان سوى “داعش”. لكنّ الصحيح أيضا هل يمكن لهذا الرهان أن يكون في محلّه، وهل “داعش” كفيلة بإعادة تأهيله؟