روسيا تسميه «الأبله المفيد»!

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

13/8/2016
الشرق الأوسط
المؤلف: 

حتى في دول الديمقراطيات الشكلية هناك حدود للغة الإهانات والتقبيح، التي يتراشق بها المتنافسون في الانتخابات، ليس على سبيل احترام النفس أو الخصم، بل في حد أدنى احترامًا للجهور، وحرصًا على صورة المعركة الانتخابية، وصورة البلد الذي يجري فيه هذا التنافس.
وهكذا بعدما تمادى الخطاب الانتخابي بين هيلاري كلينتون ودونالد ترامب في استعمال لغة السخرية والازدراء وحتى التحقير، لم يعد السؤال: هل هذه معركة انتخابية لاختيار رئيس للولايات المتحدة أقوى دولة في العالم؟ بل أصبح: هل هذه فعلاً أميركا أقوى ديمقراطية؟
لمزيد من الصدمة في أمكنة كثيرة، فإن الذهول يتسع في ظل مراقبة الأميركيين عمومًا، وهم يغرقون في التصفيق الحاد لمرشَّحي الحزبين الديمقراطي والجمهوري عندما ينخرطان في المهرجانات في التراشق بالاتهامات على أُسس يغلب فيها الطابع الشخصي على البرنامج الانتخابي.. ولهذا يتسع الاستغراب: لماذا تصفّق أميركا، ولمن تصفّق أميركا؟

ومع ارتفاع حدة السجال يزداد الاستغراب من رثاثة مستوى البرنامج والرؤى، فما يدور بين مرشحة الديمقراطيين هيلاري كلينتون ومرشح الجمهوريين دونالد ترامب يستمر هامشيًا وشخصيًا، وبدلاً من أن يتناول القضايا السياسية والاقتصادية داخليًا وخارجيًا، التي تهم أميركا وتنعكس على دول العالم، فإنه تدنى إلى مستويات عالمثالثية، وتحوّل شجارًا نافرًا يركز على الأمور الشخصية والسلوك الأخلاقي لكل من المتنافسين!
ما يزيد من الاستغراب أن الانتخابات تجري عند مفترقين مهمين ومفصليين؛ الأول يتعلّق بنهاية عهد باراك أوباما الذي نجح في ثمانية أعوام في سحب أميركا من واجهة القيادة الدولية إلى عمق المسرح وعلى رؤوس الأصابع، كما يقال، من أوكرانيا إلى سوريا، متباهيًا بما يسميهما إنجازين، أي الاتفاق النووي السيئ مع إيران، وإعادة رفع العلم الأميركي في كوبا!

أما المفترق الثاني فيتمثل في حالة الاضطراب، التي تسيطر على العلاقات الدولية عمومًا وعلى دور أميركا خصوصًا، الذي يُظهِر أميركا متراجعًا أمام الاقتحام الروسي، الذي بات يسمح لفلاديمير بوتين حتى بالتدخّل في مسار المعركة الانتخابية الأميركية، مراهنًا على ترامب الذي يسميه ضباط المخابرات الروسية «الأبله المفيد»، أو مرشح الكرملين الذي سيهدم البيت الأبيض، كما أنه متراجع في أوكرانيا وسوريا، في زمن يتفشى فيه الإرهاب في الغرب، وتتراخى مفاصل الأطلسي بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وتتشكل عناصر مواجهة اقتصادية كبيرة مع الصين.

بالنسبة إلى الكثيرين تبدو الصورة على طريقة «شر البليّة ما يضحك»؛ فعندما تقول هيلاري كلينتون إن سياسة أوباما الخارجية خلقت فراغًا في العراق ابتداء من عام 2008 ثم في سوريا بعد عام 2011، ملأه الإرهابيون، يعلّق البعض بأن هؤلاء الإرهابيين الذين ولِدوا من فراغ السياسة الأميركية، هم الذين أشاعوا الخوف الذي سيولد منه مهرج متنمّر وكاره وشتّام يدعى دونالد ترامب، لن يلبث أن ينجح في أن يصبح على وقع كراهيته للمسلمين والغرباء مرشح الحزب الجمهوري، وفي معنى سيكولوجي ارتدادي مرشّح أبو بكر البغدادي، لأنه يخلق أحاسيس «دعوشة» مضادة في السيكولوجيا الأميركية!

بإزاء كل المشكلات المتفاقمة على المسرح الدولي، يغيب النقاش الضروري حول برنامج حكم واضح ولكل من ترامب وكلينتون حول سياسة أميركا الخارجية ودورها حيال كثير من القضايا الملتهبة، ولعل آخر إبداعات هيلاري أنها تتهم ترامب بالعمالة لموسكو وأن «ولاءه المطلق لبوتين وأهداف السياسة الروسية يطرحان إشكاليات على مستوى الأمن القومي، ويثير شكوكًا حول طباعه.. هذا يعني أنه معتوه»؟

وسرعان ما يردّ ترامب بأن «أكبر إنجاز يمكن أن تحققه كلينتون هو أن تتمكن من الخروج من الورطة الفاضحة خلال وجودها في وزارة الخارجية، حيث مارست الفساد على نطاق واسع لخدمة مصالحها ومصالح زوجها.. إنها معتوهة تمامًا»!
يلجأ ترامب إلى سياسة الأرض المحروقة في مواجهة كلينتون، التي يدأب على اتهامها بالكذب والتضليل والفساد، ولأنه يعرف ضمنًا أنه لن يتمكن من الفوز عليها في أي من المناظرات التي ستجري بينهما قبيل الانتخابات، فإنه يتعمّد التركيز على ما يعتبره مقتلاً لها، أي شخصيتها وسمعتها السلبية في أوساط الحزب الجمهوري، ولدى المستقلين وحتى عند أنصار بيرني ساندرز الذي نافسها على تمثيل الديمقراطيين في الانتخابات، والذي يملك أفكارًا على خلفية عدالة وإصلاحات ذات نفحة اشتراكية تستهوي الشباب.
في كل الحملات الانتخابية الأميركية كانت مسألة العلاقات مع روسيا تحتلّ حيزًا يهم الأميركيين كما يهم توازنات السياسة الدولية، والمضحك المبكي الآن أن فلاديمير بوتين دخل على الخط مفتاحًا انتخابيًا مثيرًا، ففي حين ينظر العالم كله تقريبًا إلى ترامب بنوع من السخرية حيال نظرياته وآرائه الصادمة، لم يتردد بوتين في أن يصفه في سياق من الخداع الانتهازي بأنه «ذكي وموهوب»، وهذه تمريرة كان لها ثمنها الفاضح على ما يبدو.
الدليل أن ترامب يقول في مقابلة على شبكة «إيه بي سي» إنه مرتاح لوصف بوتين له بأنه «عبقري»، لكن ثمن هذا الوصف بدا فاضحًا تمامًا عندما قال إنه في حال انتُخب رئيسًا فسينظر في إمكان الاعتراف بسيادة روسيا على القرم، وهي شبه الجزيرة التي ضمتها روسيا عام 2014، وسط إدانات دولية واسعة.

الفاضح أكثر عندما يقول ترامب في برنامج «ذِس ويك» لجورج ستيفانوبولوس: «بوتين لن يدخل أوكرانيا، وعليك أن تفهم ذلك.. لن يدخل أوكرانيا، اتفقنا. يمكنك تسجيل ذلك وأن تكون متأكدًا»، وعندما رد عليه بالقول: «ولكنه في الواقع موجود في أوكرانيا أليس كذلك؟!»، هرب ترامب بالقول: «حسنًا، إنه هناك بطريقة ما لكنني أنا لستُ هناك»، ولهذا اعتبر مستشارو هيلاري كلام ترامب مخيفًا، لأنه يجهل وقائع أساسية في العالم!
لكن هناك خلفية لكل هذا عندما تكشف الصحف الأميركية أن بول مانافورن مدير حملة ترامب كان قد استفاد كثيرًا من خلال عمله السابق مستشارًا لفيكتور ياكونوفيتش الرئيس الأوكراني المخلوع المقرب من موسكو، التي هرب إليها، كذلك كشف كارتر بيدج أحد مستشاري ترامب للسياسة الخارجية عن علاقات قديمة بينه وبين شركة «غازبروم» وأن جزءًا من ثروة ترامب يتدفق من هناك!

على خلفية كل هذا لم يكن مستغربًا أن تتهم كلينتون الاستخبارات الروسية باختراق الموقع الإلكتروني لحزبها وتسريب بيانات منه عبر «ويكيليكس»، وإذا كان 50 جمهوريًا تولوا مسؤوليات كبيرة في الأمن القومي الأميركي وجهوا رسالة تقول إن ترامب لا يصلح رئيسًا بسبب جهله وعدم كفاءته، وإنه إذا انتخب سيكون أخطر رئيس في تاريخ أميركا لأنه جاهل ولا يرغب في التعلّم، فإن مستوى المعركة بينه وبين كلينتون يطرح السؤال:
هل نحن في أميركا أو في بلاد الماو ماو؟

تعليقات