روسيا تنظّم حلفها ... أميركا تقصي حلفاءها

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

28/2/2016
الحياة
المؤلف: 

لا ثقة في الأوساط السورية بأن تسير الهدنة التي أعلنت عنها إدارتا أوباما وبوتين وفق الهدف الظاهري لها. التشكيك في تطبيق الهدنة أتى أيضاً من أوساط الإدارة الأميركية، ومنها أيضاً أتت تصريحات تتنبأ بسيطرة النظام وحلفائه على حلب وما تبقى من ريفها تحت سيطرة الجيش الحر.

الخطة «ب» التي لوّح بها وزير الخارجية الأميركي، في حال فشل الهدنة، لا تدعو إلى التفاؤل أيضاً، فهي تنذر بتقسيم البلاد وفق قوله، وكأنما أقصى ما يمكن أن تصل إليه هو تثبيت الواقع على الأرض، على الأرجح، مع تثبيت مكتسبات النظام التي أتت بدعم القصف الروسي.

نظرياً فقط، أتى اتفاق الهدنة من فوق، ليبدو كأن كلاً من الطرفين يفرض إرادته على حلفائه. عملياً، المقارنة مجحفة بين حلف متماسك، كالحلف الروسي الإيراني مع النظام، والتفكك الذي يسود ما كان يُعرف بمجموعة أصدقاء سورية، قبل انفراط عقدها لمصلحة ما بات يُعرف بالمجموعة الدولية لدعم سورية، برئاسة مشتركة أميركية روسية. التفكك في المقلب الثاني صار مقلقاً للرئاسة المشتركة، فتركيا المهددة بفقدان أدنى نفوذ لها، والتي تعاني هاجساً كردياً مزمناً، تهدد بالانقلاب على المشيئة الأميركية، بما في ذلك إغلاق قاعدة أنجرليك أمام الطيران الأميركي. بينما بادرت السعودية إلى اقتراح تحالف بري يساند التحالف الدولي الجوي ضد «داعش»، وهو اقتراح يحرج الإدارة الأميركية، فرفضه يعني الانتقاص من جديتها في القضاء على «داعش» سريعاً، والموافقة عليه تتضمن عدم سيطرة قوات النظام على مناطق «داعش» الحالية.

إذاً، لندع الاعتبارات الداخلية جانباً. اتفاق الهدنة تحكمه الاعتبارات الدولية والإقليمية أولاً، وفي مقدمها تنظيم الحرب في سورية، لئلا تخرج عن القواعد التي يحاول التدخل الروسي إرساءها. القاعدة الذهبية هنا تتلخص في تقنين النفوذ الإقليمي والفوضى التي يخلقها على الأرض، لمصلحة تنظيم الحرب المشتركة ضد «داعش» و»القاعدة» وبعض التنظيمات المتطرفة الأقل شأناً.

المقايضة الروسية الأميركية تمّت وانتهت، وفحواها السماح بالانقضاض على القسم الأكبر مما كان يُسمى التنظيمات المعتدلة في مقابل الإبقاء على النظام ودمجه لاحقاً في الحرب على الإرهاب. نقطة الضعف في التفاهم الروسي الأميركي هي الحدود التركية التي تمتد حوالى 900 كم، وهنا تركز المجهود الحربي الروسي مع قوات النظام والميليشيات الشيعية، وهنا سيستمر هذا التحالف بعمله بتغطية من اتفاق الهدنة الذي يستثني «القاعدة» و»داعش». بشار الأسد، في حديث إلى «فرانس برس» قبل أيام، كان واضحاً في تحديد الهدف، وهو قطع خطوط الإمداد من جهة تركيا.

للتذكير، تركزت الهجمة الروسية أولاً على مناطق سيطرة الجيش الحر في الساحل، المحاذية لتركيا أيضاً، ثم امتدت الهجمة إلى حلب وريفها الشمالي، مع استثناء إدلب موقتاً. لا يخفى في المعركتين أن «جبهة النصرة» المرتبطة بالقاعدة لم تشارك جدياً في المعركتين، وأغلب الظن أنها تعدّ للمعركة في منطقة سيطرتها الأهم في إدلب. الإستراتيجية الروسية سارت جيداً بضرب المعتدلين أولاً، واستبقاء المتطرفين للمعركة الفاصلة التي ستصعب على القوى الإقليمية المجادلة في شرعيتها. ميدانياً، من العسير جداً على قوات النظام والميليشيات الحليفة مواكبة الطيران الروسي على الأرض، وفتح المعركة على امتداد الشمال المحاذي لتركيا. الهدنة تحقق فائدة كبيرة لتنظيم المجهود الحربي وإراحة قوات النظام في الأماكن التي سيطرت عليها مؤخراً، وتوجيه القوات إلى جبهة جديدة.

من جهة الإدارة الأميركية، يتضح باطراد أنها لا تمانع المخطط الروسي، ولا تمانع تالياً إقصاء «الحلفاء» الذين ليس لهم منفذ للإمداد والتأثير سوى الحدود التركية. الإدارة تريد تجنب «مشاغبات» الحلفاء في ما تبقى لها من وقت، وفي ميزان الربح والخسارة الخاص بها لا تمانع التضحية بالمعتدلين لقاء التخلص من المتطرفين. بل قد تكون الأخبار الواردة عن تنسيق عسكري سعودي تركي ما استدعى وضع تفاهم الهدنة على نار حامية، وقد تكون الأخبار ورقة استخدمتها إدارة أوباما مع فهم الشريك الروسي أنها لا تتناسب مع المشيئة الأميركية.

إقليمياً، ستكون أنقرة الخاسر الأكبر من مضي هذا المخطط، فهي مهددة بفقدان نفوذها المباشر كلياً، ومهددة بفقدان مكانتها الإقليمية كمعبر وحيد لأية قوة أخرى ضالعة في الصراع، ولا يصعب الجزم بأن استبعاد النفوذ التركي أضحى بمثابة هدف أميركي فوق أنه هدف روسي. النظام أيضاً، وربما طهران من ورائه، قبل بالهدنة تحت الضغط الروسي، لإدراكه بأنها سترتب عليه مواجهة لا يريدها مع «داعش» و»القاعدة»، أي أنه مطالب بموجب الهدنة بدفع ثمن تخليصه من الفصائل المعتدلة، واكتساب الشرعية من مشاركته الفعلية في الحرب على الإرهاب، لا من المفاضلة النظرية بينه وبين الإرهاب.

هكذا، بخلاف ما كان شائعاً عن سلبية إدارة أوباما إزاء الملف السوري، تبدو اليوم منخرطة تماماً في إعادة رسم موازين القوى على الأرض. الهدنة الموعودة هي بالأحرى ربع هدنة إذا تم تطبيقها، لأن مواقع السيطرة المتشابكة «باستثناء مواقع «داعش» الصريحة» لا تترك فعلياً سوى جيوب صغيرة لسريانها، بينما الحرب مستمرة لتعديل المعطيات الميدانية. في النهاية ستكون الصورة معكوسة عن الوضع الحالي، فالهدف المبتغى يعيد سيطرة قوات النظام على مساحات واسعة، بينما تتولى ميليشيات الحماية الكردية الحليفة للنظام السيطرة على مساحات أخرى.

ربما تدفع هذه النتيجة إلى الظن بأن إدارة أوباما تتخلى عن نفوذها أيضاً، بتسليم الحدود التركية وإقصاء «الحلفاء»، على اعتبار أنها أصلاً لعبت طوال الوقت ورقة ثني الحلفاء عن التدخل الفعال. ذلك سيصحّ في ما لو سمحت الإدارة بتصفية الجبهة الجنوبية، جبهة حوران، لأنها هي المتاخمة للعاصمة، حيث يمكن تهديد النظام بالسقوط حقاً، وهي التي لم تسمح الإدارة لقوة سواها بالنفاذ إليها والتحكم بإمداداتها، ثم إنها الجبهة المحاذية لإسرائيل بما يعنيه ذلك من وزن في قرار الإبقاء على النظام أو تغييره.

لقد أشار بيان الهدنة المشترك حوالى عشر مرات إلى «الرئاسة الروسية الأميركية المشتركة»، الأمر الذي لا يمكن رده إلى لغو في الصياغة بقدر ما هو تأكيد استفراد القوتين بالملف. كأن إدارة أوباما بهذه الديباجة تقول وداعاً لحلفاء الأمس، وربما وداعاً أنجرليك.

تعليقات