روسيا والبحث عن 'الحاج مراد' السوري

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

4 - 3 - 2019
الحرة
المؤلف: 

مع دخول الثورة السورية عامها الثامن لم تتمكن الحملة الروسية على بلاد الشام حتى الآن من تحقيق أهدافها النهائية، وتتزايد الصعوبات في القضاء الكامل على من وصفتهم بالمتمردين على النظام الحاكم.

فقد أجبرت آلة الحرب الروسية ـ الإيرانية ـ الأسدية أن توقف هجومها على مناطق في شمالي وشرقي سوريا بعدما رسمت واشنطن خطوطها الحمراء شرق الفرات وقامت بتثبيت قواعدها. كما لم يستطع الكرملين تجاوز الجغرافيا والديمغرافيا التي فرضت شروطها عليه ودفعت القيصر الجديد إلى استمالة وريث السلاطين الذي تمكن من انتزاع الاعتراف بشرعية وجوده شمالي سوريا، مستثمرا حاجة الكرملين للالتفاف على العقوبات الغربية، ومساعدته في تخفيف مخاطر الحصار الجيوسياسي الذي تفرضه الدول الأوروبية على الحدود الأوكرانية.

جرّاء هذه العوامل الصعبة، التي تزداد تعقيدا، لجأ سيد الكرملين إلى منتدى "فالداي" الاستراتيجي بهدف مخاطبة صناع الرأي العام الدولي ليعيد أمامهم تكرار الادعاءات نفسها بأن بلاده تحركت حماية لأمنها القومي، الذي فرضت ضرورياته عليها القيام بضربة استباقية لعلها تمنع انتقال عدوى التظاهرات إلى ساحات المدن الروسية الكبرى، وتقف بوجه انتقال المتمردين إلى داخل الأراضي الروسية أو إلى الدول المجاورة التي تقع ضمن المجال الحيوي الروسي.

ويؤكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن هدف التدخل كان منع "التفتت النهائي لأراضي سوريا، على غرار الصومال، وتدهور مؤسسات الدولة في البلاد". والدولة بالنسبة للروس، المنتصرين حاليا، هي النظام؛ والنظام يعني الأسد؛ والأسد يعني الهيمنة الروسية.

وفي هذا الصدد يرى المستشرق الروسي ألكسي ملاشنكو إن "نجاحات روسيا في سوريا والشرق الأوسط عموما ترتكز على شخص واحد هو بشار الأسد، الذي من المستبعد أن يقبل من يأتي بعده المحافظة على كل هذه "الحميمية" في العلاقة مع الكرملين". ويشير إلى أن الكرملين قد بحث عن "أسد آخر" وسط النخبة السورية، إلا أنه "لم يتوصل إلى شيء".

كلام ملاشنكو عن أن لا بديل للأسد، يكشف عن أن قادة الحملة الروسية على بلاد الشام لم يستفيدوا من دروس حروب القوقاز، وكأن الجنرالات الجدد المنتشين بانتصاراتهم على الشعب السوري لم يجدوا ضرورة في قراءة ما كتبه عظماء الروس عن حملات القياصرة على شمال القوقاز، بداية من قصيدة "سجين القوقاز" لشاعر روسيا الكبير بوشكين، إلى رواية "بطل من هذا الزمان" للأديب الروسي ليرمنتوف، إلى آخر النصوص الإبداعية للأديب العالمي ليف تولستوي وروايته التي نشرت بعد وفاته "الحاج مراد".

والحاج مراد، في رواية تولستوي، هو قائد عسكري انشق عن الزعيم السياسي والديني لمسلمي شمال القوقاز الإمام شاميل، الذي قاد المقاومة ضد الحملة الروسية لإخضاع شعوب القوقاز ما بين 1834 ـ 1859، ولجأ إلى الروس لمساعدته في الانتقام من الإمام شاميل، ولم يلبث الحاج مراد أن قتل على يد الروس بعدما خدعوه ولم يقدموا له المساعدة في مواجهة شاميل.

وفي المسألة السورية، بالرغم من أن المعارضة السورية لم تنجح في إنتاج قيادة تاريخية لها تملك رمزية وشرعية على غرار شاميل، إلا أن موسكو فشلت في سوريا كما فشل جنرالاتها زمن القياصرة في استمالة قادة على غرار الحاج مراد، فقد تخلت موسكو عن أغلب تعهداتها التي قدمتها للجماعات التي رضيت بالمصالحة وقامت بتصحيح وضعها مع مؤسسات النظام، وتركتها عرضة لتنكيل الأجهزة الأمنية التي لم تترك أمامهم سوى خيارين: القتال إلى جانبها ضد الشعب أو الاعتقال؛ وهو ما يتطابق مع رؤية تولستوي في روايته التي لم ير في صورة الدولة غير الشر.

صورة الشر الملاصقة للنظام السوري بنظر شعبه، لم تدفع روسيا إلى التفكير بمحاولة استمالة الشريحة الكبرى من السورين الذين يشكلون الأغلبية المعترضة، التي لا يمكن أن تصل الأزمة في سوريا إلى حل نهائي من دون إعطائها حقوقها المشروعة التي يصعب تحقيقها مع النظام الحالي.

وعليه، أدى تكرار الروس لتجربة أكثر من "حاج مراد" سوري إلى تكريس عدم الثقة بهم، وتزايد حالة الرفض الاجتماعي للتعاطي معهم بسبب ما يراه الشعب السوري من انحياز بالنار مع فئة ضد أخرى، إضافة إلى تغطيتهم لاحتلال إيراني يعمل على تشتيت الكتلة الديمغرافية السورية الكبرى لصالح مشروع أقلوي.

مرة أخرى يخطئ جنرالات القيصر في خياراتهم؛ فالبقاء الآمن في سوريا يشترط قبول الأغلبية وهذا غير وارد في عقيدتهم العسكرية الجديدة التي ربطت طموحاتها التوسعية بتحالفات مرحلية قادرة على هزيمة الخصم لكنها عاجزة عن تحقيق النصر.

تعليقات