روسيا والوجه الآخر لأستانة

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

24/10/2017
العربي الجديد

بدا واضحا منذ أشهر قليلة، أن روسيا تستعد لما بعد مسار أستانة بشأن سورية، والذي أنجز مهمته الاستراتيجية، وما بعد أستانة يعني اجتراح مسار سياسي يكمل المسار العسكري، بحيث يكونان وجها لعملة واحدة، عنوانها روسيا. ويبدو من المعطيات المتوفرة أن المسار السياسي للحل المقترح روسياً سيعتمد الطريقة نفسها التي استخدمت في المسار العسكري عبر بوابة أستانة، أي الانطلاق من الأسفل إلى الأعلى، وهي الصيغة التي اقترحتها موسكو قبل أكثر من عام، بشكل مضمر، وتلقفها آنذاك المبعوث الأممي، ستيفان دي ميستورا، عندما تحدث عن حل سياسي يبدأ من الأسفل وينتهي إلى الأعلى.

وإذا كانت الاتفاقات العسكرية في أستانة قد أطلقت يد النظام، وكبلت فصائل المعارضة من خلال حصارها في غيتوات جغرافية منعزلة، فإن المسار السياسي الروسي قيد الإنجاز سينتهي إلى محاصرة "الهيئة العليا للمفاوضات"، ومن ورائها الائتلاف الوطني لصالح قوى سياسية محلية قائمة على الأرض.
هذا ما تعمل عليه موسكو بهدوء وروية، وقد دعت إلى مؤتمر للقوى السورية المتنوعة، يعقد في قاعدة حميميم، تمهيدا لعقد مؤتمر شامل في دمشق، ومن ثم فإن ما سمي مؤتمر "شعوب سورية" هو تتويج لهذا المسار. وتشمل هذه القوى ممثلين عن المدن التي دخلت في مصالحات مع النظام، والمجالس المحلية للمدن والبلدات التي قبلت باتفاق خفض التصعيد، فضلا عن الإدارة الذاتية الكردية، وفعاليات المجتمع المدني، وبعض المكونات الطائفية، مثل المسيحيين، إضافة إلى شخصيات سياسية معارضة في الخارج ممن يقفون على أرضية سياسية متباعدة عن الائتلاف الوطني و"الهيئة العليا للمفاوضات". وبطبيعة الحال، سيؤدي تغيير القوى المفاوضة إلى تغيير في المرجعية السياسية، فتكون دمشق بديلا عن جنيف، وتكون الحلول المقترحة بديلا عن قرارات مجلس الأمن، وخصوصا القرار 2254 الذي أصبح غير صالح للحل في سورية، بعدما تجاوزته الأحداث العسكرية والسياسية.

كشفت مفاوضات جنيف أمرين في غاية الأهمية، أن الولايات المتحدة غير مهتمة بالعملية السياسية، بقدر اهتمامها بمحاربة "تنظيم الدولة الإسلامية"، الأمر الذي يمنح الروس مساحة واسعة من التحرك. وأن المعارضة والنظام غير مستعدين لتقديم تنازلات سياسية، وإبقاء حالة الستاتيكو السياسي ستضر بالسياسة الروسية في مجمل الملف السوري. وعليه، سيثمر المسار التصاعدي من الأسفل إلى الأعلى نتائج سياسية، كما أثمر عن نتائج عسكرية. ومن هنا اهتمام الروس بفكرة المجالس المحلية، لأنها تحدث وقائع على الأرض، يصعب تجاهلها، وهي موجهة إلى النظام أكثر مما هي موجهة إلى المعارضة، فمن جهةٍ سيؤدي تعزيز عمل المجالس المحلية إلى تخفيف القبضة الحديدية للنظام، وإن كانت هذه المجالس ستعمل مستقبلا تحت شرعة النظام. ومن جهة أخرى، سيسهل على الروس، وإلى حد ما الأتراك والإيرانيين، التحكم بها، لأن المجالس المحلية تتطلب قيام وحدات جغرافية لا مركزية، مرتبطة بالخارج، بسبب افتقار هذه الوحدات مقومات إنفاذ سياساتها وحدها.

ويجد الروس في تجربة "الإدارة الذاتية" للأكراد ضالتهم على الأرض السورية، فهي ستكون المقدمة لتعميم هذه التجربة في عموم البلاد، والتغير الحاصل في موقف النظام حيال المشروع الكردي من التشدّد إلى التراخي، جاء بفعل الضغوط الروسية، وهذا التراخي تكتيك، ففكرة اللامركزية ما تزال خارج المُفكر فيه لدى النظام الذي ما زال سلوكه مبنيا على فكرة الهيمنة المطلقة.

تقوم المقاربة الروسية على مبدأ أن استمرار الواقع العسكري الحالي، أي مناطق خفض التوتر الأربع، قد تؤدي إلى تقسيم البلاد، ما لم تستتبع بخطوات سياسية على الأرض، وهو ما عبر عنه صراحة الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، حين قال إن "هناك مخاطر من أن تؤدي مناطق خفض التصعيد إلى تقسيم البلاد". لكن مشكلة الطرح الروسي أنه لا يقارب الأزمة السورية في بنيتها وجوهرها، القائمة على أساس فكرة إنهاء الاستبداد، وإنما على مقاربة الأزمة من زاوية خلافاتٍ بين المكونات السورية ليس إلا. ومن هنا يمكن فهم فكرة مؤتمر "شعوب سورية"، حيث تعتبر موسكو أن ثمّة شعوبا في سورية، وليس شعبا واحدا، وهو ما يفسر أسباب عقد مؤتمر حميميم الذي سيضم ممثلي الطوائف والأقليات العرقية والأكثرية السنية بتنوعاتها المناطقية والعشائرية.

وبناء على هذا الفهم، قد يقوم الروس بخطوة إلى الأمام، لترتيب المشهد السياسي الداخلي، بعيدا عن المسارات الأممية، عبر إجراء انتخابات محلية، ومن ثم تشريعية تنتهي بتشكيل حكومة وحدة وطنية، كما جاء في مقرّرات اجتماع فيينا الأول في 30 أكتوبر/ تشرين الأول من عام 2015.

تعليقات