زمام المبادرة بيد داعش

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

12/2/2015
القدس العربي
المؤلف: 

في أعقاب نشر داعش لفيديو حرق الطيار الأردني معاذ الكساسبة، نشرت إحدى الصحف الأمريكية خبراً عن انسحاب الإمارات العربية المتحدة من العمليات العسكرية ضد داعش في العراق وسوريا، في إطار التحالف الدولي المقام بقيادة الولايات المتحدة لهذه الغاية.
أما الخبر الثاني فقد جاء بعد فترة: دولة الإمارات ترسل سرباً من طائراتها المقاتلة إلى الأردن للمساهمة في الحرب الأردنية على داعش.

بين الخبرين المعبرين عن تردد دولة الإمارات بين إحجام وإقدام، كانت السلطات الأردنية قامت بإعدام سجينين جهاديين، أحدهما الانتحارية العراقية ساجدة الريشاوي المحكومة بالإعدام منذ تسع سنوات، صبيحة نشر الفيديو المشؤوم. لم تخف وسائل الإعلام الأردنية الطابع الثأري لهذا القرار، وإن حاولت الجهات الحكومية التفلت من اتهام مماثل بدعوى أن من تم إعدامهما محكومان بالإعدام سلفاً، وأن الأمر لم يتم بدوافع ثأرية. إنه مما لا يبشر بأي خير أن تتصرف دولة بدوافع ثأرية كما لو كانت قبيلة أو عشيرة أو فرداً في حالة غضب أو فوران دم كما يقال، وخاصةً إذا كنا نتحدث عن مؤسسة القضاء من جهاز الدولة. هذه المؤسسة التي من أهم وظائفها إحلال مفهوم العدالة محل أخذ الحق أو الثأر باليد من قبل الجماعات والأفراد. 

غير أن الأردن لم يكتف بإعدام الشخصين المذكورين، بل قام بحملة مكثفة من الغارات الجوية على مواقع داعش في شمال وشرق سوريا، كانت إحدى ضحاياها عاملة إغاثة أمريكية أسيرة في سجون داعش. إن مشاركة الأردن في التحالف الدولي منذ بداية عملياته الجوية، وكان ذلك بعدد محدود من الغارات، شكل أصلاً موضوع خلاف داخلي في الأردن الذي لا يخلو اجتماعه العشائري التقليدي من شبكات موالية لنظام صدام حسين العراقي سابقاً وللجهادية السلفية «الزرقاوية» لاحقاً، فضلاً عن حركة الإخوان المسلمين القوية. أما تنشيط هذه المشاركة بعد الإعدام المأساوي لمعاذ الكساسبة، فقد ينطوي على مخاطرة كبيرة من قبل الأردن لا يمكن التكهن بتداعياتها الداخلية. فإذا كان هذا الانخراط قد يرضي عشيرة الضحية، فمن المحتمل أن يستثير غضب جهات أخرى، وخاصة البيئات الإسلامية.

وبصورة أعم، يلاحظ المراقب أن من يمسك بزمام المبادرة، في الأحداث العاصفة بمنطقتنا منذ أشهر، هو تنظيم الدولة الإسلامية، في حين تتصرف الأطراف الأخرى الدولية والاقليمية بردات فعل على أفعال داعش الهجومية. وأولها الولايات المتحدة التي نأت بنفسها طوال سنوات عن الانخراط العسكري في هذه المنطقة الملتهبة، فتمكنت داعش من جرها مجدداً إلى أتون الصراع منذ صيف العام الماضي، ومعها نحو ستين دولة تشارك بطرق مختلفة في المجهود الحربي ضد دولة الخلافة. من كان يتصور، قبل سنة من الآن، أن تتحول دولة مستقرة، تشكل مركزاً مالياً وتجارياً عالمياً كالإمارات، إلى دولة محاربة على جبهات الحروب في ليبيا والعراق وسوريا؟ من كان يتخيل هذا الانخراط الأردني الكثيف في الحرب، وهي الدولة ذات الموارد المحدودة والقائمة على توازنات داخلية وخارجية دقيقة جداً، وتمكنت من النأي بنفسها عن الحريق السوري الكبير طوال السنوات الماضية، كما سبق لها أن تجاوزت المخاطر القادمة من العراق منذ التسعينات؟ أما اليوم فهي في عين العاصفة ومعرضة لكل الاحتمالات والمخاطر.

ولا تقتصر ردات الفعل على الدول، بل تجاوزتها إلى منظمة القاعدة نفسها، وهي الأم التي ولدت منها داعش، بعدما كاد يطويها النسيان. الشقاق الذي حدث بين القيادة المركزية للقاعدة وفرعها العراقي (داعش) على الأرض السورية، وتمدد الأخير وإقامته لدولة الخلافة بقيادة أبي بكر البغدادي، دفعت الأصل إلى منافسة الفرع على خطف أضواء الإعلام بالفظاعات التي يرتكبانها. فضرب الفرع اليمني للقاعدة ضربته في باريس بالهجوم على مقر مجلة شارلي إيبدو، فتمكن من خطف الأضواء من داعش لبعض الوقت، ودفع الدول الأوروبية إلى اتخاذ إجراءات أمنية مشددة أطاحت بالاستقرار الذي نعمت به في السنوات الأخيرة، ومن المحتمل أن تعيد جميع الدول الأوروبية حساباتها وتعدّل سياساتها الداخلية والخارجية بناء على شروط ما بعد هجمات باريس.
واليوم كاد إعدام الكساسبة بتلك الطريقة الوحشية ينسي الرأي العام الهجوم على مجلة شارلي إيبدو، وأن يزلزل المنطقة التي تمر بآلام التحولات الكبيرة.

من نافل القول أن السياسات المرسومة انطلاقاً من ردات الفعل هي سياسات مدمرة، أو غير مجدية في أحسن تقدير. متى يدرك العالم أن القاعدة وداعش وتنويعاتهما الجهادية هي مجرد أعراض متشنجة لمشكلات ضاربة في العمق والتعقيد، لا سبيل إلى التخلص من الأولى ما لم يبدأ العمل بجدية على معالجة الثانية؟ مثال ذلك هذا الإجماع الذي نراه اليوم في تصريحات الساسة الأمريكيين والأوروبيين حول فكرة أن نظام دمشق الكيماوي هو «المغناطيس الذي يجذب الإرهابيين» على حد تعبير وزير الخارجية الأمريكي جون كيري. 
الغريب هو هذه المفارقة بين إجماع الرأي هذا والسياسة الأمريكية التي تكاد تستسلم أمام الجموح الامبراطوري التخريبي لإيران.