زيارة أمير قطر إلى واشنطن: تأكيد استقلالية السياسة الخارجية

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

27/2/2015
العربي الجديد

استقبل الرئيس الأميركي، بارك أوباما، في 25 فبراير/شباط 2015 في البيت الأبيض، أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، الذي زار واشنطن للمرة الأولى منذ توليه الحكم في يونيو/حزيران 2013، ووصف أوباما العلاقة التي تربط بلاده بقطر بـ "الشراكة المتينة". وعلى الرغم من الأجواء الإيجابية التي ظهرت في المؤتمر الصحافي المشترك للزعيمين، فإنّ وسائل إعلام أميركية حاولت، جاهدةً، أن تركز الضوء على نقاط التباين، وبخاصة أنّ الدوحة تتبنى نهجًا مستقلًا في سياساتها الخارجية، ما يزعج بعضهم في واشنطن، وكذلك في المنطقة لا سيما إسرائيل. ومن المعروف أنّ ثمة لوبيًا مشتركًا تساهم فيه إسرائيل، وبعض الدول العربية، يعمل على تشويه صورة قطر في الإعلام الغربي عمومًا، والأميركي خصوصاً، وكذلك في الكونغرس، ولا سيما بعد التباين مع موقف قطر من الثورات العربية، وموقفها في دعم غزة في أثناء الحصار وضد العدوان الإسرائيلي.
وكان لافتًا أنّ الشيخ تميم أراد، قبل لقائه الرئيس أوباما، التأكيد على أنه على الرغم من اتفاق البلدين في مواقف كثيرة، فإنّ لقطر وجهة نظرها الخاصة في كثيرٍ من قضايا المنطقة وأزماتها، وفي كيفية التعامل معها، وقد فصّلها، في مقالٍ له نشرته صحيفة نيويورك تايمز، في اليوم نفسه الذي التقى فيه أوباما.

المواقف المشتركة
كما كان متوقعًا، استأثرت بمعظم النقاش الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" والإرهاب عمومًا، والوضع في سورية والعراق وليبيا واليمن، ومفاوضات الملف

النووي مع إيران، وعملية التسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وقد فصَّل الزعيمان في مؤتمرهما الصحافي المشترك مواقف بلديهما تجاه تلك القضايا، كما يلي:

• بالنسبة إلى الحرب على تنظيم "داعش"، نوّه الرئيس أوباما بأهمية الدور الذي تضطلع به قطر ضمن التحالف الدولي، وشدّد على أنّ الطرفين ملتزمان بهزيمة التنظيم في العراق وسورية. 
• وفي الموضوع السوري، تم التأكيد على أنّ البلدين مستمران في دعم المعارضة المعتدلة، وأنهما متفقان على أنه لا يمكن تحقيق الاستقرار في ذلك البلد، من دون خروج الأسد "الفاقد للشرعية" من المشهد، مع أنّ أوباما أقر بأنه لا يملك تصورًا لكيفية تحقيق ذلك، وبأنه تبادل أفكارًا مع الأمير تميم حول الموضوع.
• وفي الموضوع العراقي، تم التأكيد على أنّ قطر والولايات المتحدة ملتزمتان بالعمل على توفير الفرص لكل مكونات المجتمع العراقي، من السنة والشيعة والأكراد، للعيش معًا بسلام. 
• أما بالنسبة إلى الملفين الليبي واليمني، فقد أشار أوباما إلى أنّ بلاده تسعى إلى العمل مع كل دول المنطقة، لإيجاد حلول سياسية للمشكلات فيهما.
• وفي ما يتعلق بالمفاوضات الجارية مع إيران حول ملفها النووي، أوضح أوباما أنه وضع الأمير في صورة هذه المفاوضات، وأنه أكد له أنّ الهدف المتوخى منها أن تكون هنالك آلية يمكن، من خلالها، التأكد أنّ إيران لن تحصل على فرصة امتلاك سلاح نووي. كما أشار إلى أنّ الولايات المتحدة ستبقى تضغط على إيران، لتعديل بعض سياساتها ذات التأثير السلبي في استقرار المنطقة، مؤكدًا على أنّ ذلك سيكون عبر الوسائل الدبلوماسية. ومن المعروف أنّ قطر كانت من أوائل دول الخليج التي دعت إلى اتباع سياسة الحوار مع إيران، وقامت بذلك فعلًا. ومنذ أن نشب الخلاف معها حول دور إيران في سورية مع بدء الثورة، حاولت أن تحصر خلافها معها في قضية سورية.
• أوضح أوباما أنّ الولايات المتحدة تريد أن ترى ظروفًا في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بحيث يكون الأمن والسلام السائدين فيهما، وأن تكون هناك
فرص للناس، خصوصًا الشباب، للتعليم والعمل والولوج إلى عالم الاقتصاد الحديث، منوهًا بالنموذج القطري في هذا السياق.

ترتيب الأولويات
وعلى الرغم من أجواء "التوافق" التي سادت المؤتمر الصحافي المشترك، بدا من الواضح أنّ ثمة تباينًا في ترتيب الأولويات وأساليب التعامل معها بين الطرفين؛ ففي مقاله في جريدة نيويورك تايمز، بعنوان "رسالة قطر إلى أوباما"، أكد الأمير تميم أنّ "الحلول العسكرية غير كافية لدحر الإرهاب ومواجهة التحديات الاستراتيجية الهائلة التي تواجه الشرق الأوسط والعالم"، بل حثّ على ضرورة وضع الإرهاب ضمن سياقه الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، بما يسمح بمعالجة الظاهرة من جذورها، وليس مظاهرها فحسب، إذ قال: "الرصاص والقنابل وحدهما لن يكسبا الحرب على الإرهاب ... معالجة أسباب الإرهاب تتطلب مقاربة أعمق، وأطول مدى، وأكثر استراتيجية. ستتطلب من القادة السياسيين أن يكون لديهم الشجاعة، للتفاوض على حلول تعددية وشاملة، وتقاسم السلطة لحل النزاعات الإقليمية. وسوف تتطلب أن يحاسب الطغاة". وأضاف "يعلم أنّ كثيرين في الغرب ينظرون إلى التهديد الإرهابي، ويقولون إنّ المشكلة هي الإسلام. ولكني، بوصفي مسلمًا، يمكنني أن أقول لكم إنّ المشكلة ليست في الإسلام، بل في حالة اليأس الذي ينتشر في مخيمات اللاجئين السوريين والفلسطينيين، وفي المدن والقرى التي أنهكتها الحروب في سورية والعراق واليمن وليبيا وغزة. إنه اليأس الذي نراه في أفقر الأحياء في المدن الأوروبية الكبيرة، بل حتى في الولايات المتحدة". وهي المعاني نفسها التي سبق أن عبّر عنها أوباما في قمة "مكافحة التطرف

العنيف" التي استضافها البيت الأبيض 18-20 فبراير/شباط 2015، مع أنها بقيت في إطار الأقوال، ولم تتحول إلى سياسات.

وشدّد الأمير تميم على أنّ "حربنا على الإرهاب، في بعض الحالات، تساعد في الحفاظ على الديكتاتوريات الملطخة أيديها بالدماء، والتي ساهمت في صعود هذه الحركات الإرهابية. نعتقد أنّ المعركة ضد التطرف العنيف ستنجح، فقط إذا اقتنع الناس في المنطقة بأننا ملتزمون إنهاء الأنظمة الاستبدادية، مثل نظام بشار الأسد، والذي يقوم بارتكاب إبادة ضد شعبه". والمطلوب، حسب رأي الأمير، "أن يكون ثمة جهد أميركي - عربي لإيجاد حلٍ سياسي في سورية". وهنا، بدا واضحًا اختلاف الموقف القطري مع النهج الذي تتبعه إدارة الرئيس أوباما، والذي ما زال يصر على أنّ الأولوية ينبغي أن تكون للقضاء على تنظيم "داعش"، وبأنّ مصير الأسد ونظامه مؤجلان إلى ما بعد تحقق ذلك. 
وختم الأمير مقاله بأنه ما لم يحقق الشباب العربي آماله وطموحاته في الحرية والعدالة والكرامة والأمن الاقتصادي، وهي القيم التي أطلقتها ثورات "الربيع العربي"، وما لم تكن هناك حلول للعنف في سورية والعراق، فضلًا عن الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني، فإنّ التطرف سيعيد إنتاج نفسه. 

نقاط تباين بين قطر والولايات المتحدة
تتعرض قطر، منذ سنوات، لحملة إعلامية وسياسية في واشنطن، من بعض الأطراف المحسوبة على اللوبي الإسرائيلي، وحلفائه في اليمين الأميركي، وبتحريضٍ من دول عربية مستاءة من المواقف القطرية المؤيدة لحقوق الشعوب في الحرية والكرامة، ولنهجها المستقل في السياسة الخارجية. وتتمثل أهم نقاط الحملة على قطر بما يلي:
• وجود علاقات مزعومة لقطر بجماعات متطرفة، مثل فرع تنظيم القاعدة في سورية (جبهة النصرة) وتشكيلات إسلامية أخرى مقاتلة في سورية وليبيا، فضلًا عن حركة طالبان الأفغانية. وإذ لا تنكر قطر احتفاظها بقنوات اتصال مع بعض الجماعات الإسلامية، بما يسمح لها بالقيام بدور الوساطة التي أثمرت في مناسبات عديدة إنقاذ حياة رهائن ومختطفين عديدين، فإنّها تنفي قطعيًا تقديم أي دعمٍ لجبهة النصرة، أو غيرها من الجماعات المتطرفة. كما أنها مارست دور الوسيط في المفاوضات بين الولايات المتحدة و"طالبان" وبطلب من واشنطن، فضلًا عن وساطتها، العام الماضي، للإفراج عن جندي أميركي، كانت تحتجزه الحركة مقابل خمسة من قادة "طالبان"، كانوا محتجزين في سجن غوانتنامو.
• مزاعم حول التراخي في إنفاذ قوانين مكافحة تمويل الإرهاب؛ ففي سبتمبر/أيلول 2014 صرح مسؤول في وزارة الخزانة الأميركية أنّ رجل أعمال قطري قدم دعمًا لمسؤول في "تنظيم الدولة" بقيمة مليوني دولار أميركي، وبعد ذلك بشهر، تبعه مسؤول آخر من الوزارة نفسها، ليوجه اتهامًا لقطر بعدم التحرك ضد ممولي الإرهاب. وهي مزاعم تنفيها قطر جملةً وتفصيلًا، وتؤكد على أنه لو كان ثمة دليل لدى هؤلاء على صحة مزاعمهم لما ترددوا في تقديمه. كما تدعي الدوحة أن الدول العربية والغربية جميعها لا يمكنها الادعاء أنها تسيطر بشكل محكم على حركة الأموال والبشر. ولكن قطر، في الوقت نفسه، تعاملت مع الادعاءات بجدية، واتخذت إجراءات أكثر صرامة في الرقابة على تحويل الأموال، وتحديد حركة مشبوهين بتمويل جماعات مسلحة، لم تُقدم أدلة كافية لمحاكمتهم. 
• سماح قطر بوجود رسمي لقيادة حركة المقاومة الإسلامية حماس على أراضيها، ودعمها المستمر سكان قطاع غزة المحاصر؛ فبحسب ناقديها، دعمت قطر التيارات الإسلامية، وخصوصاً الإخوان المسلمين في كل من تونس ومصر وليبيا خلال ثورات الربيع العربي، وتستضيف عددًا من قادة الإخوان المسلمين المصريين المطاردين من النظام العسكري، بعد انقلاب صيف 2013 على الرئيس محمد مرسي. وإذ لا ترى الدوحة حماس "حركة إرهابية" كي ترفض استضافتها، فإنها، في المقابل، لا تستضيف "الإخوان" بوصفهم ينتمون إلى تيار

الإسلام السياسي، وإنما تفسح المجال لإيواء لاجئين سياسيين مضطهدين ومستهدفين بالقمع في بلدانهم، من شتى التيارات الفكرية والسياسية. ومع ذلك، أوضحت أنّ المنفى السياسي مشروط بعدم ممارسة نشاط سياسي انطلاقًا من قطر. 

وبحسب تقرير لجريدة وول ستريت جورنال، فإنّ بعض أعضاء فريق الأمن القومي للرئيس أوباما ضغطوا، خلال رئاسته الأولى، من أجل إغلاق قاعدة العيديد الأميركية في قطر، بذريعة دعم الدوحة تنظيمات مقاتلة في الشرق الأوسط، غير أنّ وزارة الدفاع الأميركية رفضت ذلك، وحُسم الأمر بتجديد عقد القاعدة عام 2013. أما وزارة الخارجية الأميركية، فترى أنّ قطر قامت بالدور الأهم ربما، في التوصل إلى وقفٍ لإطلاق النار بين إسرائيل وحماس، في أثناء العدوان الإسرائيلي في صيف 2014 على قطاع غزة. فيما يرى مسؤولون آخرون أنّ هناك أدوارًا لا يمكن لغير قطر القيام بها، مثل الإفراج عن آخر جندي أميركي أسير لدى "طالبان" في يونيو/حزيران الماضي. ويجادل أنصار العلاقة مع قطر، في كل من وزراتي الخارجية والدفاع، بأنّها تعد محورًا أساسيًا في محاربة "داعش". ويؤكد الناطق باسم البيت الأبيض، جوش إرنيست، بأنه في "مثل جميع الشراكات، وتحديدًا في ذلك الجزء من العالم، فإنّ الولايات المتحدة لا تتفق بالضرورة مع الحكومة القطرية في كل قضية". وأضاف "ولكن، لدينا ذلك النوع من العلاقة التي تتيح لنا أن نكون صريحين ومنفتحين مع بعضنا حول خلافاتنا. خلاصة القول، إنّ مصالحنا مع قطر تتلاقى، في أحيان كثيرة، أكثر مما تتباعد"، وعدّد، في هذا الصدد، قضايا، مثل أفغانستان وإيران وتدريب المعارضة السورية والحرب على "داعش".

خلاصة
مع كل نقاط الاختلاف بين الطرفين القطري والأميركي، فإنّ العلاقة إذا ما أُخذت في سياقها الإستراتيجي الواسع، نجدها تقوم على مصالح مشتركة واسعة ومتنوعة؛ فقطر تُعد مستثمرًا أساسيًا في الولايات المتحدة، فحسب وزير المالية القطري، تنوي قطر أن تستثمر 35 مليار دولار في مجالي التكنولوجيا والبنية التحتية على مدى السنوات الخمس المقبلة في الولايات المتحدة. كما أنّ حجم التبادل التجاري بين البلدين يبلغ سبعة مليارات دولار سنويًا. والأهم أنّ قطر تُعدّ شريكًا دبلوماسيًا مهمًا بالنسبة إلى الولايات المتحدة؛ فهي تملك علاقات مع قوى كثيرة، لا تستطيع أن تتعامل معها الولايات المتحدة، لكنها لا تستطيع أن تتغاضى عن وجودها، مثل حركتي حماس وطالبان. أما بالنسبة إلى قطر، فهي بحاجة إلى حليف عسكري وأمني، يمكنها الاعتماد عليه، بوصفها دولةً صغيرةً، تعيش في بيئة مضطربة. وعمليًا، الولايات المتحدة هي ذلك الحليف. باختصار، تحافظ قطر بشكل ذكي على استقلالية قرارها السياسي وسياستها الخارجية في علاقتها بالولايات المتحدة، من دون أن تفرّط بالتحالف معها.