زيارة الأسد المفاجئة إلى إيران.. تداعيات ورسائل بعضها موجهة إلى روسيا

بشار الأسد خلال لقائه مع خامنئي في طهران يوم أمس الإثنين - وكالة إرنا
الثلاثاء 26 فبراير / شباط 2019

ظهر رأس النظام في سوريا بشار الأسد بشكل مفاجئ بالعاصمة الإيرانية طهران، في زيارة غير معلنة، وسُميت بـ"زيارة عمل" من قبل وسائل إعلام النظام وإيران، لتطرح بذلك تساؤلات حول توقيتها، والتداعيات التي ستترتب عليها.

وخلت الزيارة تماماً من الأعراف الدبلوماسية المعهودة، فالأسد ذهب وحيداً أمس الإثنين للقاء "المرشد الأعلى" الإيراني، علي خامنئي، والرئيس الإيراني حسن روحاني، فلم يرافقه أي وفد، ولم تجري له أي مراسم استقبال، فضلاً عن أن علم النظام كان غائباً في مكاني الاجتماع.

رسالة لروسيا وإسرائيل

وبعيداً عن رسائل الشكر الكثيرة التي توجه بها الأسد إلى خامنئي وروحاني على دعمه طيلة السنوات الماضية، فإن زيارة الأسد إلى طهران تحمل رسائل أبرز، أهمها أنها جاءت قبل يومين من اللقاء المرتقب بين رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في موسكو.

ومن المقرر أن يكون التموضع الإيراني في سوريا محوراً رئيسياً لهذه الزيارة، إذ تسعى إسرائيل إلى ضرب النفوذ الإيراني، ومنعه من التوسع في الأراضي السورية خصوصاً بالقرب من حدود الجولان المحتل، مستندة بذلك إلى جملة من التفاهمات مع موسكو، تبلورت من خلال صمت أنظمة إس 300، وإس 400 الروسية أمام الضربات الإسرائيلية المتكررة للقوات الإيرانية في سوريا، وهو ما يثير غضب طهران.

ويبدو أن إسرائيل عازمة على مواصلة سياسة الاستهداف لإيران في سوريا، وأنها تعوّل على اللقاء بين بوتين ونتنياهو غداً الأربعاء، إذ قال نتنياهو في تغريدة باللغة العربية يوم الأحد الفائت، إنه تحدث مع بوتين بخصوص اللقاء المقبل، وأكد أن "الملف الإيراني سيحتل صدارة المباحثات التي سنجريها وقد اتفقنا على ذلك"، بحسب تعبيره.

وتأتي زيارة الأسد هذه لتستبق لقاء بوتين ونتنياهو، ولإيصال رسائل لروسيا وإسرائيل، بأن النظام يدعم الوجود الإيراني في سوريا، وأنه ليس بصدد القبول بتقليل نفوذ طهران أو إخراجها بالكامل من سوريا، وهو ما يشكل نقطة محورية في اللقاءات الإسرائيلية الروسية.

لكن من شأن هذه الزيارة أن تترك تداعيات مباشرة على إيران والأسد، فروسيا - وهو ما تأكده وسائل إعلام قريبة من الكرملين - ليست راضية عن توسع النفوذ الإيراني في سوريا، خصوصاً فيما يتعلق بالشقين العسكري والاقتصادي (إعادة الإعمار)، وبالتالي قد تمارس موسكو مزيداً من سياسة غض الطرف عن الضربات الإسرائيلية المقبلة المُحتملة ضد القوات الإيرانية في سوريا، كذلك فإن موسكو قد تصبح أكثر إصراراً على عدم تقوية طهران لنفوذها الاقتصادي والعسكري في سوريا.

وكان لافتاً في زيارة الأسد لطهران، وجود قائد "فيلق القدس" التابع لـ"الحرس الثوري"، قاسم سليماني، ولم يسبق للأخير أن تواجد في اجتماع مسؤولين إيرانيين مع "الرؤساء".

ويُعد سليماني مهندس الوجود العسكري الإيراني في سوريا، وقد شارك مراراً في قيادة عمليات عسكرية ضخمة لصالح الأسد، ولعب دوراً رئيسياً في نشر الميليشيات الموالية لطهران في الأراضي السورية، ولوجود سليماني والأسد في مكان واحد رسالة قد تزعج إسرائيل التي لطالما وجدت في سيلماني أحد الأذرع الإيرانية الخطرة في سوريا.

وأكدت وكالة "تسنيم" الإيرانية على ما اعتبرته تفاهماً بين النظام وطهران بخصوص الوجود الإيراني في سوريا، حيث قالت إن "زيارة الأسد تحمل رسالة مهمة للغاية إلى الكيان الصهوني، مفادها أن إيران لن تنسحب بأي شكل من الاشكال من سوريا وسيستمر وجودها لطالما دمشق بحاجة الى تواجد طهران في هذا البلد".

"إيران أهم من التطبيع"

ووجه الأسد بزيارته إلى طهران، ضربة إلى دول قررت إعادة علاقاتها معه، بحجة أن ذلك سيقلل من نفوذ إيران في سوريا، كما أكد عدم صحة التوقعات بأنه سيبتعد عن إيران مقابل إعادة تمكينه في السلطة من جديد.

وكانت الإمارات والبحرين قد أعادتا افتتاح سفارتيهما في دمشق، وقال وزير الدولة الإماراتية للشؤون الخارجية، أنور قرقاش في ديسمبر الماضي إن "الدور العربي في سوريا أصبح أكثر ضرورة تجاه التغوّل الإقليمي الإيراني والتركي".

ويؤكد الأسد بزيارته هذه على ما يعتبره تحالفاً استراتيجياً واضحاً في العلاقات مع إيران، مضى عليه عشرات السنوات وبدأ من عهد حافظ الأسد وصولاً لبشار، وهو ما أشار إليه في وقت سابق، رئيس الوزراء السوري المنشق رياض حجاب.

وكان حجاب قد ذكر في مقابلة مع قناة "الجزيرة" في سبتمبر/ أيلول الماضي، ما قاله له الأسد بخصوص العلاقة مع إيران، وقال: "العلاقة ما بين النظام وإيران علاقة استراتيجية ومتينة جداً، وأسس لها حافظ الأسد والخميني، وسوريا وقفت مع إيران في حربها مع العراق طيلة 8 سنوات".

وأضاف حجاب: "بشار الأسد قال لي شخصياً، أنا أثق بالإيرانيين أكثر ما أثق بالروس"، وأوضح أن سبب هذه النظرة تعود لأن تحالف الأسد مع إيراني "تحالف استراتيجي، ومصيري وإيديولوجي"، حيث يعتبر الأسد نفسه جزءاً من المحور الإيراني، ويرى بأن طهران ستسانده أكثر من أي جهة أخرى.

وبحسب حجاب أيضاً، فإن الأسد كان يتوقع بأن روسيا يمكن أن تتخلى عنه، "ولذلك دائما يستند الأسد إلى الموقف الإيراني، وواهم من يعتقد أن الأسد سيبتعد عن إيران".

إعادة الإعمار

وخلال وجوده في إيران، أكد الأسد على ضرورة تقوية العلاقات الاقتصادية مع إيران، وسبق ذلك اتفاقاً وقع بين النظام وطهران أول أمس، سمح النظام لإيران بموجبه، ببناء مدينة و200 ألف وحدة سكنية في دمشق، ما يمنحها نفوذاً أكبر في العاصمة، يمكنها من تحقيق ما يُعرف بـ"حزام دمشق".

واستبقت إيران أيضاً هذه الزيارة، بعرض قدمته أول أمس إلى نظام الأسد، يقضي بأن تقدم طهران خطاً ائتمانياً جديداً له بقيمة ملياري دولار، بحسب ما أعلنه نائب رئيس جمعية المقاولين في طهران. وسبق ذلك عشرات الاتفاقيات الاقتصادية والعسكرية بين الجانبين، والتي كان لها دور في تقوية النفوذ الإيراني في سوريا.

وأراد الأسد التأكيد على دور إيران وحصتها الكبيرة في مشاريع "إعادة الإعمار"، وهو الملف الذي يخلق تنافساً بين طهران وموسكو في سوريا.  لكن موقف الأسد هذا سينعكس سلباً على سوريا، فالولايات المتحدة ودول غربية أخرى لن تُقدم على أية مساهمة في "إعادة إعمار" سوريا طالما بقيت إيران في الأراضي السورية.

ويبدو أن الأسد لا تعنيه إعادة بناء البنية التحتية للمدن إذا كانت على حساب العلاقات مع طهران، وبالتالي لا تعنيه أيضاً عودة اللاجئين الذي يرفضون العودة إلى مناطق مدمرة.

ومن الرسائل الأخرى البارزة من اللقاء، أن الأسد لا مشكلة لديه في المشاريع الإيديولوجية التي تطبقها إيران في سوريا، لا سيما تشييع سكان مدن تسيطر عليها ميليشيات مدعومة من إيران.

ودعا الأسد صراحة في اللقاء إلى ضرورة "تعزيز العلاقات الدينية بين سوريا وإيران"، وشدد على ضرورة "التواصل بين علماء الدين في سوريا وإيران".

ويبقى القاسم المشترك في زيارات الأسد السابقة إلى روسيا، وزيارته الحالية إلى طهران، أن كلا  الجانبين لا يرانه بمظهر "رئيس جمهورية"، فخلال مقارنة أشكال ومراسم استقبال الأسد قبل العام 2011 وبعدها، يُلاحظ أنه يُعامل من قبل الدولتين على أنه ليس أكثر من مجرد رجل ضامن لمصالحهما في سوريا.

اقرأ أيضاً: طائرة إيرانية أقلته من دمشق.. الأسد ذهب لطهران عبر شركة تنقل أسلحة ومقاتلين لسوريا

واقرأ أيضاً: صحيفة روسية: لماذا قرر الكرملين التخلص من الأسد؟

المصدر: 
خاص - السورية نت