سر الطائرتين المنفجرتين في سماء بيروت… وأسرار أخرى

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

موقع درج
المؤلف: 

ليست واقعة سقوط طائرتي استطلاعٍ إسرائيليتين فوق العاصمة اللبنانية بيروت، سوى حلقة في سلسلة استهدافات شهدها “الهلال الشيعي” خلال الأيام العشرة الأخيرة. فعشية هذه الواقعة أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو شن إسرائيل غارات جنوب شرق دمشق على قواعد إيرانية، بهدف إحباط عمليات كانت تحضر لها طهران بحسب زعمه. وقبل ذلك بأيامٍ قليلة كانت العاصمة العراقية بغداد على موعد مع “تفجيرات غامضة” وقعت في قاعدة لـ”الحشد الشعبي”، الذي رجحت مصادره أن تكون ناجمة عن غارات إسرائيلية، وسبق هذه الغارة غارات مماثلة على قواعد للحشد في شمال العراق.

المستهدف اذاً هو السيادة الإيرانية على الدول الثلاث، ولـ”السيادة” هنا وظيفة عملية لا معنوية. فالاستهداف يحصل في ظل إعادة نظر أميركية في خريطة المنطقة، ويترافق مع خطوات موازية لإعادة النظر في “الشراكة السلبية” بين واشنطن وطهران في هذه الدول. ففي العراق أعادت الولايات المتحدة طرح تحدي السيادة على الحكومة العراقية، ويبدو أنها سائرة في طريق البحث في مستقبل الحشد الشعبي، وفي لبنان استدعت واشنطن رئيس الحكومة سعد الحريري وأبلغته بأن العقوبات لن تستثني وزراء في حكومته ومقربين من رئيس الجمهورية إذا لم يحصل فصل بين الدولة و”حزب الله”. أما سوريا، فالغارات الإسرائيلية عليها معلنة وواضحة، وليس لدى الأميركيين من يفاوضونه على نفوذ طهران سوى موسكو، والأخيرة تراوغهم وتراوغ طهران، فيما المهمة بالنسبة إلى تل أبيب واضحة ومُنسقة مع الكرملين.

طائرتا الاستطلاع الإسرائيليتان ليستا أكثر من رسالة، والأرجح أنهما سقطتا من تلقاء نفسيهما، وربما كان السقوط بحد ذاته هو الرسالة. ومثلما أثارت الغارات الغامضة على قواعد الحشد في بغداد تساؤلات حول هوية منفذها، نحن اليوم في لحظة لا تتيح كشف تفاصيل عن واقعة سقوط الطائرتين. الحادث لم يسبق أن حصل، ويبدو أن الطائرتين من نوع غير متطور والأرجح أنهما لم تطيرا من إسرائيل. لا أحد سيفسر لنا ما حدث. فالحرب غير المعلنة هي عملية استعاضة عن انعدام فرص التفاوض، على رغم رغبة أطرافها بالتفاوض. 

قبل أيام، أصدر مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتانياهو بياناً أعلن فيه أنه أعطى للجيش حق التحرك في لبنان وسوريا والعراق لمواجهة النفوذ الإيراني. مرة أخرى يعلن نتانياهو أن حكومته لا تميز في الاستهداف بين الدول الثلاث. ولهذا الإعلان دلالة تفيد بأن تل أبيب لن تميز بين حكومات هذه الدول والأجهزة الموازية التي أسستها طهران فيها. سعد الحريري في لبنان لا يمثل ثقلاً موازياً للثقل الذي يمثله حسن نصرالله، وفي العراق لا يبدو أن للحكومة قدرة على ضبط النفوذ الإيراني في قواعد الحشد الشعبي، أما في سوريا فلا يبدو أن هناك حاجة للتمييز في الاستهداف بين النظام وبين راعيه الإيراني.

إنها ساعة الحقيقة. الجهود التي بذلتها طهران لتبديد الحدود بين بؤر نفوذها الثلاث (العراق وسوريا لبنان) بدأت تثمر من خلال انعدام الحصانة الدولية حول السيادة الخاصة بكل دولة من هذه الدول الثلاث. وإذا كانت تل أبيب قليلة الحساسية حيال هذا التمييز، فإن طهران وعلى مدى سنوات، نجحت في إنتاج طبقة سياسية حاكمة في كل دولة على حدة، لا تثيرها حقيقة فتح الحدود على احتمالات حرب إقليمية. لبنان جاهز لهذه المهمة وليس بين وجوه الطبقة الحاكمة من يرغب في التصدي لفتح الحدود.

الأرجح أن حيرة كبيرة ستصيبنا في بيروت في أعقاب سقوط طائرتي الاستطلاع الإسرائيليتين. ومصدر الحيرة أن المعلن من أهداف هذه الحرب هو غير المضمر. قصف إسرائيلي برعاية روسية على دمشق، وطائرات غير متطورة تنفجر في سماء بيروت ولا تقتل أحداً، وانفجارات غامضة في بغداد! محاولة التوقع هنا لن تصيب طالما أن الأطراف كلها تراوغ. 

وفي سياق الغموض هذا، لا أحد يملك قدرة العراق على تعطيل قدرتنا على التحليل. السجال الدائر اليوم فيه عن تلك التفجيرات “الغامضة” التي تحصل في مقار الحشد الشعبي، يدفع إلى اليأس من احتمال أن يصل المرء إلى رأي راجحٍ حول هوية محدثيها. 

إسرائيل تقريباً أعلنت عن مسؤوليتها عن هذه التفجيرات. تقريباً أعلنت، لكنها لم تعلن. نتانياهو قال إنه أعطى الجيش الإسرائيلي حق أخذ قرار استهداف القواعد الإيرانية في لبنان وسوريا والعراق واليمن! قال هذا بعد التفجيرات التي شهدتها قواعد للحشد الشعبي في مدينة بلد شمال بغداد. هل هذا التصريح يكفي للحسم؟ هذا السؤال توجه به “درج” إلى مسؤول أمني عراقي رفيع، فرد الأخير: “إن الغارة الأولى التي استهدفت قواعد الحشد في قاعدة آمرلي القريبة من الموصل قامت بها طائرة متطورة وحديثة، لكن التفجيرات الأخرى لا شيء يثبت أنها ناجمة عن غارات جوية، لا بل إن ثمة من يدفع إلى ترجيح عمل تخريبي أرضي. أما الغارة الأخيرة في محيط بغداد، فهي لم تستهدف مخازن أسلحة متطورة، إنما أسلحة أقل من عادية، ومن المؤكد أنها تفجير أرضي ناجم عن تفخيخ أقدم عليه أفراد تمكنوا من الوصول إلى مخزن الأسلحة”!

“الحشد الشعبي” فصائل ميليشيوية ضعيفة التنظيم، احتمال اختراقها أمر ممكن، والعراق بدوره واقع وسط خريطة مواجهة شديدة التعقيد، تتقاطع خطوطها عند عقدة النفوذ الإيراني. إسرائيل يمكن أن تستهدف إيران في العراق، وطهران يمكن أن تنقل صواريخ باليستية إلى قواعد الحشد الشعبي لتقترب فيها من إسرائيل. واشنطن بدورها يمكن أن تتحرك للتضييق على ايران في العراق، بينما تشعر طهران أيضاً بأن العراق منطقة نفوذ مشترك بينها وبين واشنطن ويمكنها أن تطمح لقضم نفوذ شريكتها في سياق المواجهة في الخليج.

المساهمة العراقية في هذا المشهد المعقد تمثل في السجال الذي شهدته بغداد بين قادة الحشد، ذاك أن نائب قائد الحشد أبو مهدي المهندس، وهو أكثر قرباً من طهران من بين قادته، حمَّل واشنطن المسؤولية عن التفجيرات المتنقلة بين مقار الحشد، وهدد باستهداف القواعد الأميركية وطالب الحكومة بمنع طائرات التحالف من استعمال الأجواء العراقية. ويبدو أن هذه التصريحات أثارت حفيظة قائد الحشد فالح الفياض الذي قال إن تصريحات المهندس لا تمثل الحشد، وإنها رأيه الشخصي! وأعقب ذلك كله اجتماع لـ”الرئاسات الثلاث” في العراق، صدر عنه بيان أضاف غموضاً إلى الغموض، وكشف مستوى الإرباك الذي يحاصر بغداد بفعل وقوعها بين نفوذي إيران وأميركا. 

بيروت أقل حيوية من بغداد في السعي إلى تفسير ما حدث في سمائها فجر يوم الأحد. لا أحد يجرؤ على سجال رواية “حزب الله”. سيستعيض اللبنانيون عن معرفتهم حقيقة ما حصل بنصراً جديدٍ على إسرائيل يضيفونه إلى سجل الانتصارات المدوية التي يحققونها على وقع انهيار بلدهم.  

 

تعليقات