سلام وازدهار أم استهبال الفلسطينيين والعرب؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

العربي الجديد

 

من كلّف نفسه عناء مراجعة خطة السلام الاقتصادي التي نشرها موقع البيت الأبيض على الإنترنت، يوم الأحد الماضي (16/6/2019)، تحت عنوان: "السلام من أجل الازدهار. الخطة الاقتصادية: رؤية جديدة للشعب الفلسطيني"، خرج بتأييد قوي للموقف الفلسطيني، الرسمي والشعبي، الرافض هذه الخطة، والرافض كذلك حضور ورشة المنامة، والتي انعقدت على أرضيتها يومي الثلاثاء والأربعاء الماضيين. هذه الخطة ما هي إلا وَهْمٌ جديد ينضاف إلى جملة من الأوهام باعتها الولايات المتحدة للشعب الفلسطيني منذ انطلاقة مؤتمر مدريد للسلام، عام 1991، وكلنا يعرف أن تلك الأكاذيب والأوهام ساهمت في إيصالنا إلى ما نحن عليه اليوم. وإذا كانت القيادة الرسمية الفلسطينية أخطأت في قبولها أرضية الدعوة إلى ذلك المؤتمر، حينئذ، والذي رَحَّلَ قضايا الصراع المركزية، كالأرض والسيادة والقدس والحدود واللاجئين، إلى "المرحلة النهائية" من المفاوضات التي لم تنته يوما، فإنها أحسنت هذه المرة، على الأقل إلى الآن، أنها رفضت الرضوخ للضغوط العربية والأميركية في الوقوع في براثن الخطأ ذاته. 
في هذا السياق، من المهم التذكير هنا أنه لولا خطأ القيادة الرسمية الفلسطينية، أو خطيئتها، منذ مؤتمر مدريد، مرورا باتفاقية أوسلو عام 1993، والتي أجلت مرة أخرى "قضايا الحل النهائي"، وما تلا ذلك، لما كنّا وصلنا إلى مرحلةٍ تأتي فيها إدارة أميركية تعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونحن شهود وشركاء في الجريمة. لقد تمكّنت الأخيرة من تهويد القدس والضفة الغربية، بعد أن أحدثت حقائق على الأرض يصعب تجاوزها، بذريعة "مفاوضات الوضع النهائي". وها هي إدارة دونالد ترامب تأتي بعد إدارات أخرى، تواطأت أو انكسرت أمام إسرائيل ولوبيها في واشنطن، لتبارك لها مساعيها في ضم أجزاء واسعة من الضفة  الغربية، وتعمل على شطب اللاجئين الفلسطينيين نيابة عنها، وإلغاء فكرة حل الدولتين. يحدث ذلك كله، في حين تقوم هناك "سلطة فلسطينية"، الأصل أنها تمثل نواة قيام الدولة الفلسطينية العتيدة التي دفنتها إدارة ترامب الآن. ومع ذلك، لا تزال هذه السلطة تتعاون أمنيا مع الاحتلال الإسرائيلي، وتعفيه من كلفة إدارة حياة الفلسطينيين ومعاشهم. لم نكن بحاجةٍ إلى هذا التواطؤ ضد مصالحنا وحقوقنا، ولكنه وقع للأسف، وتوقف هذا التواطؤ أصبح مسألة وجودية للفلسطينيين اليوم، ولا يكفي مجرّد مقاطعة مؤتمر أو إعلان رفض خطة. الفلسطينيون بحاجة إلى إعادة إطلاق مشروع وطني جامع، وإيجاد توافق سياسي وفصائلي ومجتمعي على المرحلة الجديدة من صيرورة صراعهم ضد مشاريع الإلغاء الأميركية - الصهيونية بحقهم. 
خطة "السلام من أجل الازدهار" هي استمرار لمحاولة استغفال الفلسطينيين وخداعهم. تقوم على ثلاث ركائز: إطلاق العنان للإمكان الاقتصادي الفلسطيني، وتمكين الشعب الفلسطيني، وتعزيز الحكم الفلسطيني. هذه هي العناوين الرئيسة، ولكن ثمة تفاصيل كثيرة تحت كل عنوان، بحيث تحتل أربعين صفحة في خطة البيت الأبيض التي تتضمن صورا ورسوما بيانية. وتروم الخطة إنشاء صندوق استثمار دولي بقيمة خمسين مليار دولار، تأتي عبر مساهمات دولية، أغلبها عربية خليجية، قد.. نعم، قد، تساهم فيها الولايات المتحدة، حسب تصريح الأب المعلن للخطة، جاريد كوشنر، صهر ترامب ومستشاره ومسؤول ملف السلام الفلسطيني - الإسرائيلي. 
المفارقة الأولى أن جمع الأموال وإنجاز الخطة يلزمهما عشر سنوات، بمعنى آخر، هي عودة إلى بيع الوَهْمِ، وتمكين إسرائيل، مستفيدة من الوقت، من تعزيز سيطرتها على الضفة الغربية وإيجاد وقائع جديدة على الأرض يستحيل تجاوزها. المفارقة الثانية أن الخطة المزعومة تتوخى مقاربة إقليمية، حيث إن الأردن ولبنان ومصر ستتلقى مساعدات بمليارات الدولارات هي كذلك، ولكن من غير الواضح على أي أساس، وهو ما جعل لبنان يقاطع الورشة، مخافة الضغط عليه مستقبلا لتوطين اللاجئين الفلسطينيين على أرضه، في حين أطلق العاهل الأردني، الملك عبد الله، اللاءات الثلاث: لا للتوطين، لا للوطن البديل، ولا للتنازل عن الرعاية الهاشمية للأماكن المقدسة، الإسلامية والمسيحية في القدس. المفارقة الثالثة أن الخطة لا تأتي على ذكر الاحتلال الإسرائيلي ودوره في تعويق النمو الاقتصادي وتمكين الشعب وغياب حكم رشيد فلسطينيا. وكما قال أحد المراقبين، لا تشير خطة البيت الأبيض إلى الفيل الكبير في الغرفة، على الرغم من أن الكل يراه، والخراب الذي يحدثه واضح للعيان. 
ذكرت إسرائيل ست مرات فقط، وتجيء في سياق التعاون والاندماج الاقتصادي إقليميا، مع المناطق الفلسطينية الخاضعة لسيطرة السلطة الفلسطينية، والأردن ولبنان ومصر. بمعنى آخر، لا حديث أبدا عن أي مسؤولية إسرائيلية، أو عبءٍ يقع على عاتقها في الخطة، بل إنها تأتي في سياق الاستفادة والانتفاع فحسب. وجه المفارقة هنا أن إسرائيل هي من تمنع تواصلا جغرافيا بين الضفة الغربية وقطاع غزة، فيما تقول الخطة بضرورة ربطهما، وإسرائيل هي من تغلق الحدود أمام السكان الفلسطينيين وصادراتهم، والتي ترمي الخطة إلى فتحها أمامهم! وقس على ذلك أمثلة كثيرة، كتحسين مستوى التعليم، وتقوية شبكة الكهرباء في قطاع غزة وتحلية المياه، وتعزيز شبكات الاتصال في الضفة الغربية، والقطاع الصحي في الضفة والقطاع. لا إشارة أبدا لدور إسرائيل في تحطيم كل جزئية في الحياة الفلسطينية. 
المفارقة الأبرز في الخطة أنها لا تتحدث عن حل الدولتين أصلا، بل إن كوشنر يعتبر مبادرة السلام العربية لعام 2002، والتي تتسوّل قيام دولة فلسطينية مقابل تطبيع عربي شامل مع إسرائيل "عمل نبيل ولكنه لم يوصِل إلى السلام المنشود بين الفلسطينيين والإسرائيليين". يتوافق تصريحه هذا مع تأييده تصريح السفير الأميركي في إسرائيل، ديفيد فريدمان، عن حق إسرائيل في ضم أجزاء من الضفة الغربية، كما يتوافق مع رفض ترامب إلى اليوم تأييد صيغة الدولتين، والتي كانت تمثل الموقف الرسمي الأميركي لعقدين على الأقل. 
وعودة إلى موضوعة مسؤولية الاحتلال الإسرائيلي من عدمها عن الوضع الفلسطيني المزري الذي تقول الخطة إنها تريد تغييره، حيث نجد في الخطة تعابير موغلة في التزييف وإعادة كتابة التاريخ الذي نحياه واقعا ونشاهده عيانا. مثلا، تقول الخطة: "إن أجيالا من الفلسطينيين عاشت من دون أن تعرف السلام، وقد هوت الضفة الغربية وقطاع غزة إلى أزمة طويلة الأمد". جيد، من المسؤول عن هذا؟ لا إشارة. وفي مكان آخر، تقول الخطة: "إذا طبقت، فإن (خطة) السلام من أجل الازدهار ستمكن الشعب الفلسطيني من بناء المجتمع الذي يطمح إليه منذ عقود. هذه الرؤية ستسمح للفلسطينيين أن يروا مستقبلا أفضل، واغتنام فرصة لتحقيق أحلامهم". مرة أخرى، يأتي هذا الحديث منفصلا عن واقع الاحتلال الإسرائيلي الذي منع، ولا يزال، وسيبقى يمنع تحقيق أي حلم وطموح فلسطيني. 
قال بعضهم، في وصف هذه الخطة، إنها رشوة للفلسطينيين للتنازل عن حقوقهم الثابتة من أجل فتات اقتصادي، ولكن بعد اطلاعي عليها، وما كتب فيها وحولها، أميل إلى توصيف آخر أراه أكثر دقة. هذه الخطة تحمل نوعا من الاستهبال والاستحقار للفلسطينيين والعرب. تقوم بنية هذه الخطة على تصفية الحقوق الفلسطينية التاريخية بأموال بعض الخليجيين العرب، ممن لا تهمهم فلسطين، وإنما همهم استرضاء إدارة ترامب، لعلها تحميهم من سياسات إيران التوسعية في المنطقة. المشكلة أن هؤلاء، في الغالب، لن يدفعوا أكثر المتوقع منهم، وترامب، على الأرجح، لن يخوض حربا من أجل عيونهم، من دون وجود مصلحة أميركية مركزية. وبالتالي، فقد تنتهي المسألة من حيث بدأت، مزيدا من التغول الصهيوني، بغطاء أميركي، بحجة رفض الفلسطينيين استسلاما، تحت لافتة "السلام". من هنا، لا سبب يدعو إلى التعجب بشأن ما تسرب من تصريحات لوزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، في لقاء له مع قادة منظمات يهودية أميركية في نيويورك، مطلع شهر يونيو/ حزيران الحالي، إن "صفقة القرن" أحادية الجانب، وإن "الإسرائيليين وحدهم قد يحبونها". معتبرا، أنها قد تكون "غير قابلة للتطبيق"، وإنها "قد لا تكسب الزخم" المطلوب. 
إذاً، ولدت خطة "السلام من أجل الازدهار" ميتة، حتى قبل أن تكشف تفاصيلها، ويكفي أن الضيوف حضروا ولم يحضر أهل العرس، فلسطينيا وإسرائيليا. ولكن لا يكفي الرهان على موت هذه الخطة، فإسرائيل مستمرة في سياساتها التي تقضم ما تبقى من فتات الحقوق الفلسطينية، والولايات المتحدة ستبقى تبارك، وتسبغ شرعية على العدوان الصهيوني، وعربٌ كثيرون باعوا فلسطين، ويتمنون أن تشطب من الخريطة. يبقى الموقف الفلسطيني، الذي قلنا من قبل، وقال كثيرون، أنه تجاوز منذ أمد بعيد عتبة اللامعقول. لم يعد هناك وقت لنضيعه، ولنبدأ من كسر الانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة، ولنعد إطلاق مشروعنا الوطني، وتحديد أدواته، الآن وليس غدا. للأسف، فإن هذه صرخة قد تكون هي الأخرى قد ولدت ميتة.