سوريا بين أماني واشنطن وامكانياتها

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

25/10/2017
المدن

لو كان الأمر بيد الولايات المتحدة، لكانت درّبت وموّلت وأقامت دولة لا دينية في سوريا، صديقة لواشنطن وحلفائها في المنطقة والغرب، ولكانت واشنطن تشاركت مع هذه الدولة السورية في القضاء على كل التنظيمات والأفراد ممن تصنفهم أميركا في خانة الارهاب، بتجلياته السنية والشيعية والكردية.

لكن العين بصيرة واليد قصيرة، وعلى الرغم من الامكانات الهائلة التي تتمتع بها الامبراطورية الاميركية، عسكريا واقتصاديا وبشريا، الا ان قادتها من الدرجة الرديئة الصنف، من نجوم وابطال برامج تلفزيون الواقع. وهذه الحال، مهما بلغت القوة الاميركية، لا يمكنها تحقيق ما تريده ادارتها، طالما ان هذه الادارة تغرق في شجارات جانبية، تارة مع الاعلام، وطورا مع لاعبي ”كرة القدم الاميركية“. أميركا اليوم هي مثل العملاق من دون رأس: امكانات ضخمة وفاعلية منعدمة.

خصوم اميركا هم اول من قرأوا اهتزازها فعليا، فاجتاحت قوات الجنرال الايراني قاسم سليماني مناطق كردية لم تدخلها اي قوات غير كردية منذ منتصف تسعينات القرن الماضي. وتسارعت تجارب كوريا الشمالية الصاروخية والنووية.

اما السيد فلاديمير بوتين، رئيس روسيا الى الأبد، فوجد فرصة سانحة للانقضاض على الشرق الاوسط، وهو ما لم تتأخر وكالة أنبائه ”ريو نوفوستي“ في كتابته صراحة، ابان زيارة ملك السعودية سلمان بن عبدالعزيز الى موسكو،الاولى من نوعها لعاهل سعودي. ”الملك سلمان حضر لتأكيد مكانة سيد الشرق الاوسط الجديد، روسيا“، كتبت الوكالة الروسية.

في سوريا، وجدت ادارة الرئيس السابق باراك أوباما خلاصها في تمسك إسرائيل بالرئيس السوري بشار الأسد، وتاليا التواصل مع اسياده في موسكو بهدف التعاون لابقاء الأسد في الحكم وطرد الميليشيات الموالية لايران. بعد وعود وتسويف، لم تنجح روسيا في تقديم الأسد وسوريا خالية من الايرانيين لاسرائيل، فانقلبت السياسة الاسرائيلية، وبدلا من ان يلوم الاسرائيليون انفسهم على سياستهم الماضية، راحوا يوجهون اللوم الى واشنطن لوقوفها متفرجة فيما الميليشيات الموالية لايران تقترب من الحدود السورية مع اسرائيل.

السياسة الخارجية لرئيس أميركا دونالد ترامب هي فعليا سياسة داخلية، فهو يسعى بكل ما يمكنه لاسترضاء اسرائيل، لاعتقاده ان اصوات واموال يهود اميركا تلعب دورا محوريا في عملية اعادة انتخابه لولاية ثانية في العام ٢٠٢٠. هكذا، لا يفوّت ترامب وفريقه فرصة الا ويوجهان سهام الهجوم ضد ايران وميليشياتها، مثل في تغريدة ترامب، هذا الاسبوع، والتي حمّل فيها ”حزب الله“ اللبناني مسؤولية تفجير مقر المارينز في بيروت في الثمانينات، وهو تفجير ادى الى مقتل ٢٤١ جنديا اميركيا.

لكن هذا اقصى ما يمكن ترامب: تغريدات، خطابات في مجلس الأمن، تصريحات نارية، وعقوبات عشوائية. اما على الأرض، فخطوات عشوائية تتراوح بين اسقاط مقاتلة سوخوي روسية تابعة للأسد، ثم مشاهدة القوات الكردية ترفع في الرقة، المستعادة من داعش، صورة عبدالله اوجلان، الذي تصنفه واشنطن ارهابيا.

في ظلّ عجز ترامب عن تنفيذ اي من سياساته الداخلية او الخارجية، تمضي السياسة الاميركية في الشرق الأوسط تلقائيا حسبما صممها سلفه أوباما، فيستمر منسق الحرب ضد داعش بيرت ماكغيرك في منصبه، من دون تعليمات من واشنطن، ويمضي في تنفيذ سياسة ارتجالية مبنية على المتاح له من ادوات، والتي لم تعد تناسب ”اليوم التالي“ لالحاق الهزيمة بداعش.

في ظل العجز الاميركي، يبدو ان بوتين وجد الفرصة سانحة مجددا لتعميق جراح واشنطن بدعوته لمؤتمر، زعم انه مخصص لكل مكونات الشعب السوري للتوصل الى تسوية سياسية. طبعا تبدو دعوة الرئيس الروسي صادقة وعادلة، لكن من يعرف مصير مناطق خفض التصعيد، التي لم تؤد الا الى المزيد من التقدم للأسد وايران على حساب المعارضين السوريين، يعلم ان سبب المؤتمر غاية في نفس بوتين، وان الولايات المتحدة — التي لا تملك ولا ورقة واحدة داخل سوريا — ستكتفي بالتصريحات وبالمشاركة بصفة مراقب، على غرار مؤتمرات استانة وباقي المناسبات السياسية.

لم تعد مقررات جنيف اساسا للتسوية في سوريا، ولم يعد للشعب السوري اصدقاء. العالم يتقاسم النفوذ على جثث السوريين، وأميركا غارقة في تفاهات رئيسها، والسوريون يتابعون مصير بلادهم، غالبا عبر شاشات الفضائيات وبرامجها الحوارية.

تعليقات