سوريا نجمة الاستراتيجيا الروسية

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

العربي الجديد
المؤلف: 

تشير مجمل الحركة الروسية إلى نية موسكو بناء مجال جيو استراتيجي لها، خطوةً على طريق عودتها قوة دولية مقررة، فمن المحيط الأوراسي إلى بحر اليابان والشرق الأوسط، ثمة حركة روسية دائبة لا تهدأ. وكانت استراتيجية الأمن القومي الروسي التي صدرت في عام 2009 قد دعت إلى تحويل "روسيا المنبعثة" إلى دولة كبرى مجدداً، وإلى أن تكون إحدى القوى الخمس الأكبر اقتصاداً في العالم.

ليس التركيز على الاقتصاد سوى وسيلة لدعم الأهداف الروسية، بعيدة المدى، إذ يدرك صناع القرار في الكرملين أنه، ومن دون بناء مجال استراتيجي روسي خالص، فإن عودة روسيا دولة مقررة على الصعيد الدولي أمر لن يرى النور، وهذا لن يتحقق سوى بوجود مناطق نفوذ روسية خالصة، في المدارات القريبة من الجغرافية الروسية، وتحقيق انتشار روسي على المستويين القاري والعالمي، يسند هذه الوضعية ويدعمها، وبالتالي، فإن خطوط التحرك الروسي تسير على هدي ذلك الإدراك، وفي إطار مقتضياته.

يبين تحليل الحراك الروسي في بناء المجال الجيو استراتيجي الروسي اتباعه جملة من التكتيكات:

- طول النفس، حيث تعمل الاستراتيجية الروسية على خطين متوازيين، تدعيم الاندماج في الاقتصاد العالمي، وفق الرؤية الروسية، بمعنى جعل الاقتصاد الأوروبي أكثر اعتماداً على واردات الطاقة الروسية، بما يجعل مسألة الانفكاك عنه أمراً غير ممكن، إنْ لم يكن مستحيلاً، وبالتزامن مع التمدد السياسي والجغرافي، وانتزاع الاعتراف بالحضور، على قاعدة الاعتراف بالأمر الواقع.

- القضم البطيء للجوار الأوراسي، وإعادته الى الفلك الروسي، تحت حجج وذرائع قانونية وقومية، كما حصل في مناطق في أوكرانيا، وقبلها جورجيا.

- التركيز، في البداية، على الأراضي التي لا تحمل قيمة استراتيجية كبيرة، بنظر القوى الغربية، أو تلك التي لا يشكل احتلالها، والسيطرة عليها، أزمة عالمية، قد تدفع إلى مواجهاتٍ مباشرةٍ مع قوى الغرب، مثل القرم في أوكرانيا، وبعض الجزر المتنازع عليها مع اليابان.

- الاستفادة من حذر الغرب في عدم التورط في نزاعات خارجية، واللعب على وتر الانقسام الغربي تجاه بعض القضايا، وهو أمر ظهر، بوضوح، في أحداث سوريا وجزيرة القرم.

تملك روسيا حساسية خاصة تجاه الجغرافيا السياسية، تدفعها، دائماً إلى المبالغة في احتياطاتها في هذا المجال، وعلى الرغم من أن أدوات الجغرافيا السياسية في عصر العولمة تتخذ طابعاً اقتصادياً، إلا أن روسيا تبقى في نظر استراتيجييها قوة أرضية غير آمنة، كونها لا تتمتع بحواجز طبيعية، تحول دون غزوها، وهذا ما تعرضت له عبر التاريخ.

تركز روسيا، في عملية بناء مجالها على الجوانب الإقليمية والتجمعات الدولية: البريكس، منظمة شنغهاي، وحتى منظمة التعاون الإسلامي. وعلى فضاء الاتحاد السوفييتي السابق. ويتمثل المجال الثاني الذي تركز روسيا عليه، لإعادة نفوذها السابق، في تقديم نفسها على مسرح السياسة الدولية قوة طاقة مهمة ومؤثرة، وتستند في ذلك على احتياطيها الكبير من الغاز، والذي يعد، بحسب تقديرات منظمة الطاقة الدولية، وقود المستقبل،  كما تسعى إلى تشكيل كارتل غازي كبير، بالإضافة الى ما تنتجه داخل الأراضي الروسية، الغاز المنتج في آسيا الوسطى، وكذلك كميات الغاز المكتشفة حديثاً في شواطئ البحر الابيض المتوسط الجنوبية، من قبرص الى سوريا ولبنان وإسرائيل، حيث تسعى شركة غاز بروم الروسية إلى احتكار عمليات التنقيب والاستثمار للغاز في هذه المناطق، كما تسعى إلى احتكار نقله إلى مواقع الاستهلاك في الدول الصناعية، وفي أوروبا تحديداً.

يعتبر موضوع الغاز أحد محركات السياسة الروسية حالياً، ذلك أنه، في ظل تراجع القدرات الروسية التنافسية على كل المستويات، يبرز موضوع الغاز واحداً من ممكنات إعادة السيطرة والنفوذ الروسي إلى المجال الدولي. ولروسيا، في هذا المجال، خبرة كونتها، في السنوات الماضية، عن مدى تأثير قوة سلاح الغاز في العلاقات مع أوروبا، ولعلّ ما يعزز درجة الثقة بهذا السلاح، ويؤكد مدى فعاليته، تحول جزء كبير من الإنتاج الأوروبي، وخصوصاً في ألمانيا، إلى الغاز وقوداً محركاً، لما يتمتع به من مزايا تفضيلية، تناسب الواقع الأوروبي، وتجعله منافساً قوياً للنفط.

على ذلك، تشكل الجغرافية السورية واحدة من الضرورات اللوجستية للمشروع الروسي في مجال الطاقة، لما تملكه من إمكانات ربط بين مواقع الإنتاج ومناطق الاستهلاك، وكمعبر للغاز القادم من آسيا الوسطى الواقعة تحت قوس السيطرة الروسية، وكمعبر إجباري لخطوط النقل المتجهة إلى أوروبا، مما يجعل من سوريا درة الاستراتيجية الروسية في المنطقة، وما يشجع على اعتمادها كذلك وجود بنية تحتية روسية في سوريا، تتمثل في ميناء طرطوس وباستثمارات عديدة في مجال النفط والغاز.

مشكلتنا مع المشروع الروسي محاولته تجهيز المنطقة، لكي تتحول إلى معابر وطرق ترانزيت، ومحطات تجميع لمشاريع الغاز والنفط الروسية. وفي سبيل ذلك، ينصرف الجهد الروسي الى تكييف الوقائع الاجتماعية والسياسية في سوريا، لخدمة هذا المشروع، وذلك جزء من مستلزمات البنية اللوجستية للمشروع، بما يتضمن ذلك الحفاظ على بنية سياسية مؤيدة، وقمع كل إمكانية لانتصار التعبيرات الرافضة، أو التي يشك في ولائها للمشغل الروسي.