سوريا وتحولات المشهد الإقليمي

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

12/4/2015
الشرق الأوسط
المؤلف: 

تبدو المنطقة في حراك متصاعد. وهذه حقيقة تعكس اهتمام دول المنطقة بمعالجة أوضاعها المتردية، وتدهورها السياسي والأمني، الذي يجر ترديًا اقتصاديًا اجتماعيًا، وقد صارت كلها واضحة وجلية، ليس فقط في البلدان التي تضربها الصراعات العنيفة، مثل سوريا والعراق، واليمن، إنما أيضا الدول المجاورة مثل تركيا ولبنان والأردن وإيران ودول الخليج العربية، وقد أخذت معاناتها تشتد إلى درجة أنه بات عليها أن تتحرك للخروج من الوضع القائم، وقد صار بمثابة دائرة للنار تلف المنطقة كلها.

ويتوزع الحراك الإقليمي ما بين السياسي والعسكري، ولعل الأبرز في الحراك السياسي زيارة رئيس الجمهورية التركي رجب طيب إردوغان إلى إيران، التي سبقتها زيارته إلى المملكة العربية السعودية، وقد غيرت الأخيرة بصورة مبدأي إطار العلاقات التركية - السعودية، وهيأت الفرص لتقاربات بين البلدين فيما يتعلق بالوضع الإقليمي والقضايا المتفجرة فيه، وهو أمر يمكن أن يحدث ما يقاربه من بعض الوجوه في نتائج زيارة إردوغان لإيران، رغم ما يباعد بين مواقف البلدين في بعض قضايا المنطقة، ومنها القضية السورية، رغم ما سبق الزيارة من شد سياسي تركي وإيراني، ظهر في تصريحات مسؤولين في البلدين.

أما في جانب الحراك العسكري الإقليمي، فلا بد من ملاحظة أن الأبرز فيه، كان إطلاق تحالف عاصفة الحزم لمحاربة الحوثيين وحلفائهم في اليمن في إطار معركة المنطقة ضد الإرهاب وامتداداته، كما يندرج في إطار الحراك العسكري الذي تشهده المنطقة مجمل العمليات العسكرية الجارية من قبل التحالف الدولي ضد إرهاب «داعش» في سوريا والعراق، وكذلك العمليات التي شنتها تشكيلات عسكرية معارضة ضد قوات الأسد وحلفائه في جنوب سوريا وشمالها، التي تمخضت عن تحرير إدلب في الشمال وبصرى ومعبر نصيب في الجنوب، وهي عمليات لم تكن بعيدة عن تأثيرات إقليمية معروفة.

ووسط الحراكين السياسي والعسكري الجاريين في المنطقة وحولها، لا يمكن تجاهل مساعي عدد من دول المنطقة للضغط على المجتمع الدولي من أجل معالجة تداعيات القضية السورية، لا سيما في أمرين مهمين؛ أولهما موضوع اللاجئين السوريين في دول الجوار، وقد قارب عددهم الخمسة ملايين نسمة، وهو رقم سوف يزداد في ضوء استمرار عمليات الهجرة والتهجير الناجمة عن عسف النظام وقوى التطرف واستمرار الصراع المسلح في سوريا، وهذا يرتبط بالأمر الثاني، وهو موضوع إغاثة المهجرين واللاجئين، وقد بات مثل سابقه، يثقل ظهر دول الجوار، ويدفعها لمطالبة المجتمع الدولي بالعمل الجدي على معالجة الأمرين بشكل جدي وفعال.

ورغم أن سوريا في قلب الحراك السياسي والعسكري، وتمثل همًا لدول الجوار فيما يتعلق بموضوعي اللاجئين والإغاثة، فإن ما يجري في المنطقة وحولها، سيترك آثارًا أبعد على القضية السورية، والآفاق المرتقبة لحلها، التي تتركز في ثلاثة مسارات، أولها استمرار مسار الصراع في سوريا، وفيه ثلاث قوى: النظام وتحالفاته الإقليمية، وقوى التطرف والإرهاب وعلى رأسها «داعش»، وقوى المعارضة السورية بشقيها السياسي والعسكري، وهو مسار سيؤدي المضي فيه إلى مزيد من التداعيات الداخلية والخارجية المدمرة، وإنهاك متزايد للقوى المشاركة وللداعمين لها، فيما يشكل مسار الحسم العسكري، الخط الثاني في علاج القضية السورية وفق الطريقة اليمنية، ورغم أنه احتمال ضعيف نتيجة الميل العام السوري والإقليمي والدولي لتغليب الحل السياسي، فإنه ممكن إذا استمر النظام وحلفاؤه في رفض الأخير، وخوض الحرب على الشعب السوري قتلاً وتدميرًا وتشريدًا.

وتفتح وقائع مساري استمرار الصراع في سوريا والحل العسكري الصعب، الباب على المسار الثالث في معالجة القضية السورية، وهو مسار الحل السياسي باعتباره الأكثر قبولاً في المستويات المختلفة، وانطلاقًا من أنه يوفر دماء السوريين وتهجيرهم ودمار ما تبقى من قدراتهم وبلدهم، ويوفر الحراك السياسي الجاري فرصًا أفضل من أجل السير به، بل إن التطورات العسكرية الأخيرة في شمال وجنوب سوريا، يمكن أن تخدم هذا المسار، لأنها توجه درسًا واضحًا للنظام وتحالفاته، خلاصته أنه يمكن تغيير خريطة التوازنات العسكرية على الأرض، مما يدفعه للتفكير بالسير نحو حل سياسي رغم ما يبدو على النظام من خروجه عن قواعد التفكير والتدبير المنطقيين.

وثمة جهود متعددة تجري، تصب بالنتيجة في تعزيز المضي نحو حل سياسي للقضية السورية، ومنها جهود تبذلها أطراف المعارضة السورية في تطوير رؤية مشتركة للحل السياسي للقضية، وفي هذا السياق يمكن رؤية توجه المعارضة نحو عقد مؤتمر عام، يخص الحل السياسي في القاهرة في غضون شهر مقبل، وهو جهد يتقاطع في محتواه مع ما تسعى إليه المملكة العربية السعودية في رعاية مؤتمر مماثل، يُعقد فيها، يمكن أن يكون تطويرًا لمؤتمر القاهرة وتعزيزًا لمحتوياته من خلال توافق المشاركين فيه على ورقة، تتضمن مسارًا متوافقًا عليه بين الحاضرين لعملية تسوية سياسية في سوريا.

خلاصة الأمر أن ما يحصل في المشهد الإقليمي، يترك تأثيرات ملموسة في واقع القضية السورية، ويعزز سبل حلها. بل إنه يرجح مسار الحل السياسي الذي وإن عارضه النظام وحلفاؤه الآن، فإنهم لن يستطيعوا الاستمرار في معارضته، إذا استمرت التحركات الراهنة، وعززت التوجه نحو وضع حد لما يحصل في سوريا.