سورية.. التجريب والتخريب

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

18/11/2014
العربي الجديد
المؤلف: 

لا يعدو الحراك السياسي الذي تقوم به بعض القوى ذات العلاقة بالملف السوري، أن يكون جولة تسخين لإنضاج ثمار بدأت تينع على غصون ملفات أخرى، أو نوع من غزل تفاوضي، تجريه تلك الأطراف على (قاعدة الطبل هنا والعرس في مكان آخر)، وفي هذا تأكيد على وظيفية الملف السوري في واقع العلاقات الدولية الراهن.

تكتيكية هذا الحراك تظهر بوضوح في السلوك السياسي الضّحل لأطرافه، والذي يثبت، بدرجة كبيرة، هامشية السلام السوري في إستراتيجيات الكبار، وقد ذهبت الإدارة الأميركية في مزاوداتها المكشوفة بعيداً، حينما سرّبت أنها بصدد تعديل إستراتيجيتها في الحرب على داعش، بإضافة بعد جديد لها، وهو إسقاط نظام الأسد، بوصفه يشكل مغناطيساً جاذباً للإرهاب، فما الذي فعلته واشنطن لتسند إستراتيجيتها تلك على أرض الميدان، غير المساهمة في إسناد قوة الأسد بالنيران؟، أما موسكو فقد أعلنت أنها بصدد تأليف تحالف أصدقاء دي مستورا، لدعم المبعوث الأممي في مهمته الجديدة في سورية، والتي يبدو أنها أسوأ مهام الأمم المتحدة وأكثرها تواطؤاً مع نظام القتل؟، في حين تعمل إيران على إنشاء جيش مواز لها في سورية، قوامه مئة ألف عنصر! لا شيء، باستثناءات الكلام، يوحي بتعديل تلك الأطراف سياساتها ومواقفها تجاه الحدث السوري، وبعد أربعة أعوام من الثورة، وما جرى على هامشها من مؤتمرات ومبادرات، صار الجميع يعرف، بالضبط، ما هو الجدي وما هو الفقاعة. باتت المشكلة واضحة ومعلومة ومحدّدة بدقة، ومعلوم أين تقع مفاتيح حلها، ويفترض بأي مقاربة لها أن تكون خالية من التشّوش واللّبس، وشغوفة بالهم الإنساني الذي يليق بمهنية الدبلوماسية العالمية في القرن الحادي والعشرين، بوصفها انعكاساً لمنظومة القيم العالمية، وما تنطوي عليه من احترام لحقوق الإنسان والعقل البشري عموماً.

التفسير الأقرب للواقع أن المقصود بكل هذا الحراك ملفان بعينهما، العقوبات الغربية على روسيا، والنووي الإيراني. في الأصل، كان الملف السوري استثمر هاتين الدولتين في حقل العلاقات الدولية، وطبيعي أن يجري استخدامه ورقة في أي محاولة لتحريك ملفاتهما، واليوم، تقف روسيا وإيران على عتبة إعادة صياغة علاقاتهما ضمن النظام الدولي، وهما لا يملكان أوراقاً كثيرة باستثناء الملف السوري.

 ثمّة من يذهب إلى القول إن نتيجة تخفيض أسعار النفط بدأت تؤتي ثمارها، وإن البلدين سارعا إلى فتح نوافذ للحلول في سورية، بعد إدراكهما أن الأمور تعقّدت بطريقةٍ لا يمكن تحمّلها، ربّما يكون ذلك صحيحاً، لكن ذلك لا يعني أن الأمور ستجري لمصلحة الشعب السوري وثورته، ذلك أن موسكو وطهران تعتقدان أن مجرد التفاوض، بحد ذاته، يشكل تنازلاً، ثم إن هناك محددات تعلن الدولتان تأكيدها، وأنهما بصدد التمسك بها، ومنها المحافظة على نظام الأسد، ليس كما يشاع، الاحتفاظ بالمؤسسات من دون رأس النظام، على ما يحاول بعضهم استنتاجه عنوة، وبشكل تفاؤلي ساذج، هما يعتقدان أن ذلك سيكون خديعة، ولا يصلح لأن يكون أساساً للتفاوض، كيف يمكن الحفاظ على أوضاعهما في سورية؟، بالأصل ليست لكل منهما مصالح بعيدة المدى في سورية، تستحق كل هذا الصراع، ولا معنى إستراتيجياً مهماً لسورية، إلا بمقدار ما يريدانه من النظام الدولي الآن.

قد تكون سورية أكثر أهمية لإيران من النواحي المادية والرمزية، لكن إيران بظروفها وواقعها الحالي ربّما يكفيها السيطرة على جزء من العراق. ويكشف تاريخ علاقة موسكو وطهران بالأزمة السورية أنهما اشتغلا على أهداف أبعد من سورية، فالإصرار على إيصال البلد إلى هاوية الفشل والدمار ينطوي على حقيقة أن مستقبل هذا البلد لم يكن في لحظةٍ من ضمن اهتماماتهما، وبالتالي، لا يمكن فهم تحركهما الحالي سوى أنه محاولة لاستكمال هذا النهج بطرائق جديدة، أكثرها وضوحاً محاولة تصنيع معارضة سورية، يمكن من خلالها تمرير هذا النهج. الخطورة في ذلك كله قبول جزء من المعارضة السورية الدخول في اللعبة، بذريعة الواقعية وضرورة إنقاذ الشعب السوري. الاستمرار بهذا النهج من شأنه تحويل المعنى الأساسي من الثورة السورية، بوصفها تحولاً تاريخياً، إلى مجرد تمرد لمكون أو مناطق بعينها، ولا يلغي هذه الحقيقة كون أن للنظام مؤيديه وبيئته، وطبيعي أن يكون ذلك الأمر موجوداً بعد استمرار 45 سنة في الحكم، كل الأنظمة التي حصلت ضدها ثورات كان لها مؤيدون، ولم يكن ذلك عائقاً، أو نقيصة، للثورات.

والخطورة الثانية في هذا الأمر، إمكانية انعكاسه في الحلول المزمع الوصول إليها، وهو الخطر الذي تنطوي عليه مبادرة ستيفان دي مستورا نفسها، والتي في ظاهرها تبدو محاولة في الممكن وتتبع النهج العقلاني، لكن خطورتها تكمن في إمكانية تكريسها وقائع مستقبلية، يصعب تجاوزها أو الفكاك منها، فتتحول العملية إلى دينامية لتفكيك البلد، بدل تفكيك الأزمة وإيجاد حل لها. يدرك الجميع أن قرار التفاوض غير جدي، وأنه لا يعدو أكثر من عملية فحص فروض معينة في المختبر السوري، الأفضل عدم الانسياق وراءها والحذر منها، أي خطأ قد ترتكبه المعارضة قد يكلف سورية الكثير، ويجري البناء عليه، أو في أسوأ الأحوال يكون مساهمة في إعادة إنتاج النظام لنفسه، وخصوصاً وأن الظروف الدولية مستعدّة لتمرير هذا الخيار، والتكيّف معه.