سورية بين حمائم روسيا وصقورها

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

19/6/2015
المدن

منذ أربع سنوات وحتى اليوم، لا يمر حدث مفصلي في سورية إلا وتبدأ المعارضة السورية بالقول إن (مصادرها) تؤكد على بدء تغيّر موقف روسيا من الأزمة السورية باتجاه التخلي عن النظام السوري ورأسه، وتسارع وسائل إعلام المعارضة، أو بالأحرى ما تُشبه وسائل الإعلام، بالتحليل والجزم بأن روسيا ستطلب من الأسد التنحي أو ستأخذه لاجئاً لموسكو مع كبار رجالاته، أو على الأقل لن تستخدم الفيتو بعد اليوم لصالحه. بعد أن يتبيّن بالواقع الملموس أن روسيا مازالت كما هي، ولم تتغير أنملة تجاه الأزمة السورية، ولم يؤثر بها موت مئات آلاف السوريين، ولا رؤية انهيار بلد مفصلي في الشرق الأوسط، ولا تأبه لكارثة شعب كامل يُحرق، تعود المعارضة السورية لشتم روسيا وتحميلها وزر ما يقوم به النظام، وتقول إن قيصر روسيا الجديد أسوأ من أي قيصر سابق.

هذا التناقض المُفترض أو التغير السريع والمتكرر للموقف الروسي، إما أن يكون أضغاث آمال وأحلام لدى المعارضة السورية تحاول أن تواسي نفسها بها، أو أنه بالفعل نَوَسان غير مبرر وغير مفهوم في هذا الموقف تجاه أزمة أحرقت قلب الشرق الأوسط. ليست إيران وحدها من يدعم النظام السوري سياسياً ومالياً وعسكرياً، بل روسيا هي الداعم الأهم والأكثر سطوة على الصعيد العالمي، فهي صاحبة الفيتو وصاحبة السلاح الأفضل المتدفق للنظام، وهي التي أنقذته بعدة (فيتوات) تُلوّح بالفصل السابع، وساعدته على إيجاد مخرج لملفه الكيماوي الإشكالي، وزوّدته بقطع غيار للطائرات لضمان استمرار إلقاء البراميل فوق رؤوس البشر، وطبعت عملته وساهمت أحياناً بتغطيتها، كما ساعدته في أمور خفيّة بعضها يتعلق بنشأة التنظيمات الإسلامية (الشيشانية) المتطرفة وغيرها الكثير. صحيح أن إيران تتفرد عن روسيا بأنها تدعم النظام طائفياً، لكن مجمل ما تقدّمه روسيا أكثر تأثيراً، خاصة وأنها كانت، ومازالت، قادرة على وضع حد للأزمة السورية بمجرد تلويحها علانية بأنها سحبت الغطاء عن النظام، وربما هذا وحده كفيل بإنهاء الأزمة بأسرع مما يمكن توقّعه حتى لو استمر الدعم الإيراني.

عملياً، يوجد في روسيا تياران تجاه الأزمة السورية، حمائم وصقور، كما هو حال انقسام المواقف في غالبية القضايا المصيرية والشائكة في كل الدول، حمائم تحاول إقناع القيصر بأن يستخدم نفوذ روسيا لدى النظام السوري لتعديل موقف هذا النظام سواءً لجهة قبول إجراء إصلاحات سياسية جذرية (في السنتين الأوليتين للثورة) أم تخفيف عنفه وقصفه للمدنيين، والتوقف عن ارتكاب المجازر وجرائم الحرب (خلال السنتين الأخيرتين)، وصقور لا يرون في الشعب السوري سوى إرهابيين ومجرمين وبأحسن الأحوال خونة وعملاء، ولا يستحقون حتى المساعدة الإنسانية أو مداواة الجروح أو التفكير بالمستقبل (إن بقي للسوريين مستقبل).

مصالح روسيا متشعبة وتطلعاتها واسعة، ولا يوجد ميزان دقيق لقياس حجم كل تيار، لكن الواضح أن تيار الصقور فيها هو الجارف والحمائم هو الجدول الصغير، الأول يشمل المخابرات العامة والحربية، والثاني يشمل بعض رجال الدبلوماسية من الدرجة الثانية، وشتّان بين ميزان قوى كل طرف. لم يشهد السوريون منهجاً استراتيجياً متوازناً لروسيا حتى اليوم بشأن بلدهم، فلم تحاول موسكو ـ ولو بشكل سري ـ إثناء النظام عن ممارساته الحربية، فذهب بعيداً في ارتكاب العنف مستنداً لدعم روسي، سواء في مجلس الأمن أم في الأوساط الدولية، واستمرت تدافع عن النظام وكأنها ولية أمره، وتجاهلت الوقائع وزوّرت الأحداث واستخفت بالشعب السوري. بحث السوريون عن المصالح الروسية التي يخدمها هذا الموقف فلم يجدوا ما يكفي لتبرير التورط بهذه الطريقة المتحيزة، وحاولت المعارضة عبثاً إبلاغ روسيا أن أي نظام سياسي مُقبل سيحترم مصالح روسيا والعلاقات معها، دون جدوى، فهناك على ما يبدو ما هو أهم لروسيا.

في ضوء ذلك لم يبق لنا إلا أن نفهم تحالف صقور موسكو مع نظام دمشق بأنه مشروع لاستعادة مجد قيصر، وسورية على صغرها و(دروشتها) هي أهم سلاح لإحياء بلاط قيصر واستعادة صولجانه وقبعة (المونوماخ) الخاصة به، وانطلاقاً من ذلك يمكن بسهولة فهم وتبرير السياسة الروسية تجاه الأزمة السورية، ولذلك ستبقى سياستها راسخة وستبرز مخالب صقورها كلما لاح ضعف في النظام السوري، ولن تهادن أو تتراجع، بينما ستبقى حمائمها (تُخربش) بلطف هنا وهناك، وتلعب بمؤتمرات الوقت الضائع دون جدوى. يمكن أن يتغيّر موقف صقور روسيا من الأزمة السورية بحالتين، الأولى أن يقفز الجهاديون قفزة صغيرة ليصبحوا في القوقاز، عندها ستبدأ الورطة الروسية الحقيقية الكفيلة بتغيير موقف صقورها من أزمات الشرق الأوسط والتفكير ببدء تفكيكها، والثانية أن تقرر الولايات المتحدة إنهاء الأزمة بالقوة، وهنا لن تفيد عنتريات الصقور وسيشعرون أنهم على أبواب فقدان آخر معاقلهم في الشرق الأوسط. بغض النظر إن تحقق أي من هذين الاحتمالين أم لم يتحقق، فالنتيجة الأكثر احتمالاً، إن استمرت روسيا على ما هي عليه، أن تُفضي الأزمة السورية إلى هزيمة استراتيجية لموسكو في الشرق الأوسط كله، لأن روسيا بالأساس خسرت، بلا رجعة، الشعب السوري. 

تعليقات