سورية.. حزام تركي

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

2019-01-18
العربي الجديد
المؤلف: 
شكّلت مسألة الأمن الحدودي عامل قلق واستنزاف للسلطات التركية، منذ النصف الثاني من عقد الثمانينيات في القرن الماضي، عندما بدأ حزب العمال الكردستاني العمل المسلح ضد الدولة التركية في منطقة جنوب الأناضول. ولم يكن في وسع هذا الحزب أن يتحوّل إلى تهديد وخطر، لو لم يحصل على دعم كبير من السلطات السورية من أعلى المستويات. وتمثل الدعم في استقبال قيادة الحزب في دمشق، برئاسة عبدالله أوجلان، وفتح معسكرات تدريبٍ له في داخل سورية، وخارجها في منطقة البقاع اللبنانية. 
كان هدف نظام دمشق، برئاسة حافظ الأسد، استخدام ورقة العمل المسلح ضد تركيا، من أجل الحصول على تنازلات تركية في حرب المياه، حيث بدأت تركيا، منذ أواخر السبعينيات، بناء سلسلة من السدود على نهر الفرات، وصارت تتحكم بتدفقه، الأمر الذي قلّل من حصة سورية والعراق من مياه النهر، وأثر كثيرا على الزراعة في البلدين. ولكن مع مرور الوقت قلبت أنقرة اللعبة، ففي عام 1998، اتخذت قرارا بالرد عسكريا على أعمال "الكردستاني" داخل سورية، وحشدت في ذلك الوقت فرقتين عسكريتين، وهددت باجتياح حلب، ووضعت شرطا لوقف العملية هو طرد أوجلان من دمشق التي كان يتمتع فيها بتسهيلاتٍ كبيرةٍ، ويحظى باستقبال أعلى المستويات، وتسليم بعض قادته وإغلاق معسكرات التدريب. ورضخت دمشق للضغوط، ورحلت أوجلان من سورية.
 
وبعد مطاردةٍ في عدة بلدانٍ، تمكّنت الأجهزة التركية من توقيفه في كينيا في فبراير/ شباط 1999، موجهةً بذلك ضربةً إلى العمال الكردستاني الذي فقد زعيما على قدرٍ كبير من الكاريزما والتأثير، تجاوز أكراد تركيا إلى عامة الأكراد. وهذا ما يفسّر حضور "الكردستاني" خارج تركيا، وخصوصا في سورية التي باتت مع الزمن تشكّل قاعدة خلفية للحزب. 
وقادت التهدئة التركية السورية إلى تفاهم أمني بين الطرفين، يجيز لهما الملاحقات الأمنية في المناطق الحدودية، وكان ذلك فاتحةً لعلاقاتٍ رسميةٍ بين البلدين، تطورت بسرعةٍ إلى حد كانت العلاقات عشية الثورة السورية في مارس/ آذار 2011 تسير نحو تعاون اقتصادي يشمل، في صورة أساسية، إقامة مشاريع مشتركة من أجل تطوير منطقة الجزيرة السورية زراعيا. وجرى في عام 2008 الاتفاق على مشروع الغاب الذي يعتمد على أساليب الزراعة والري التركية، بعد أن باتت الجزيرة السورية تعاني من شحّ المياه وتراجع الأمطار. وبدأت أولى خطوات هذا المشروع عام 2010، وأحد أهداف تنمية هذه المنطقة هو القضاء على العمل المسلح فيها، من خلال إيجاد فرص عمل لأربعة ملايين من ساكنيها، لكن وقوف تركيا إلى جانب الثورة نسف كل شيء، وأعاد الموقف إلى نقطة الصفر. 
ولم يتراجع قلق تركيا الأمني، بل تنامى بقدر ما شهدت الحدود من تطوراتٍ خلال ثماني سنوات، وبات المطروح اليوم منطقةً تركيةً آمنةً بعرض 20 ميلا، وفق ما حدّدها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أي 32 كلم. وسوف تشكّل هذه المنطقة حزاما أمنيا على طول حوالي 500 كلم، يحول دون تهديد الطرف الكردي تركيا من جهة، ومن جهةٍ ثانيةٍ يسمح لتركيا بضرب البنى التى تم تشييدها داخل هذه المنطقة، وما توفره من أرضيةٍ لحزب العمال الكردستاني الذي صار الطرف العسكري المتحكّم بالجزيرة السورية، من خلال "قوات سورية الديمقراطية" ذات الأغلبية الكردية. 
وتعوّل تركيا على هذه المنطقة، كي تشكل حزاما عازلا، يُبعد عنها مخاطر حزب العمال الكردستاني من سورية. وأوضح مسؤولون أتراك أن التفاهم مع واشنطن قاد إلى إبعاد القوات الكردية من المنطقة، وتسليم إدارتها للعرب تحت إشراف وتمويل تركي دولي. لكن السؤال الذي يبقى مطروحا يتعلق بموقف النظام السوري وروسيا، خصوصا أنهما يعملان على بسط سيطرتهما على الجزيرة السورية.