سورية والسودان.. الشيء بالشيء يُذكر

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

11يونيو/حزيران
العربي الجديد

 

من المرجّح أن السوريين الذين أطلقوا ثورتهم السلمية ضد جمهورية الصمت والخوف، قبل ثماني سنوات، وتعرّضت حيواتهم، في غضون ذلك، لشتى صنوف القتل والتهجير والترويع، يتابعون المشهد السوداني الذي ملأ الشاشات بكثيرٍ من التعاطف من جهة أولى، ويستعيدون، من جهة ثانية، بحسرةٍ وحزن شديديْن، فصولاً من مأساتهم التي لم تنته بعد، ويقاربون ما لحق بهم من مصائب تجلّ عن كل وصف، بما أصاب أشقاءهم في البلد العربي الأفريقي الكبير، قائلين في أنفسهم: يا ليتنا كنا سودانيين.

فإذا كانت مجزرة فض اعتصام المعارضين السلميين، أمام مقر قيادة الجيش في الخرطوم، أدهى وقائع الثورة السودانية، وأمرّها على الإطلاق، حيث راح ضحيتها نحو مائة مواطن، فإن هذه المجزرة، على فظاعتها، تكاد لا تقارن بتلك السلسلة الرهيبة من المجازر شبه اليومية التي دارت، وما تزال تدور، في مختلف أنحاء سورية، حيث جرى استخدام السكاكين حيناً، والبراميل المقنبلة في أغلب الأحيان، وأدت، فيما أدت إليه، إلى تدمير البلاد وتشريد العباد.

وقد يُحدّث السوريون بعضهم بعضاً بصوتٍ غير مسموع: من حُسن حظ هؤلاء الأشقاء الطيبين أن أحداً بينهم لم يرفع شعار "البرهان أو نحرق السودان"، أو يدّعي وجود مؤامرة كونية، تستهدف النيْل من محور الممانعة، تحيكها إريتريا أو تشاد على سبيل المثال، ناهيك عن قصف البيوت على رؤوس ساكنيها تحت شعار الحرب ضد الإرهاب، وحدّث ولا حرج عن الاختفاء القسري، واغتصاب النساء، والموت تحت التعذيب في أقبية المخابرات. 
ولعل من حُسن حظ السودانيين أن ثورتهم التي بدت كثورة بيضاء، كثيابهم الفضفاضة وعماماتهم الناصعة، وخلت تماماً من أي مظهرٍ مذهبي شائن، كانت بعيدةً كل البعد عن تدخلات إيران، حيث لا يوجد في تلك الديار عتباتٌ مقدّسة، ولا أضرحة ومقامات، تستجرّ مليشيات مذهبية من العراق وأفغانستان، ولا يرابط في جوارها حزبٌ تدثّر طويلاً بعباءة المقاومة، قبل أن ينخرط في المذبحة الكبرى بحماسةٍ واقتدار، وفوق ذلك، لم يقل للسودانيين قائل: إن طريق القدس تمر من أم درمان.
على الرغم من قتامة اللحظة السودانية الراهنة، وكثرة ما يكتنفها من أخطار، فضلاً عما تشهده من تقاطعاتٍ دبلوماسية، عربية ودولية فظّة، فلا يوجد في أفق بوابة العرب إلى أفريقيا ما ينذر بتدخل عسكري روسي، وإقامة قاعدة حميميم في بور سودان، أو بناء قاعدة أميركية شرق النيل الأبيض أو في التنف مثلاً، وليس لدى أي لاعبٍ دولي مصلحة في احتضان "قسد" أخرى، كالجنجويد، ولا يوجد هناك من يتهم الثوار بالإرهاب وبالعمالة لإسرائيل، بمن فيهم المجلس العسكري نفسه.
عديدة هي المشاهد والصور التي أحسب أنها تتزاحم الآن في فضاء الذاكرة الجمعية لمعظم السوريين، وهم يراقبون باطمئنانٍ نسبيٍّ الوضع في البلد الذي احتضن عشرات الآلاف منهم، حين ضاقت بهم دول الجوار، وربما يغبطون لمضيفيهم ثورةً كانت تشبه ثورتهم في البدايات، ولن تفوتهم أبداً حقيقة أنه ليس في السودان مطرح لدولة "داعش"، تلك التي تكفلت بفتح الأبواب، وتقديم الذريعة الملائمة لتسويغ ضرب الثورة على رؤوس الأشهاد.
غير أن المفارقة الفارقة بين المآلين، في كل من سورية والسودان، أنه في الوقت الذي برّرت فيه موسكو موقفها ضد الثورة اليتيمة، كونها تمرّداً ذا بعد إسلامي، وسوّغت بذلك التحالف مع إيران، فإن العاصمة الروسية ذاتها تقف اليوم مع المجلس العسكري، بزعم رفض التدخلات الخارجية، وتناهض، في الوقت نفسه، تجمّع إعلان الحرية والتغيير الذي يقود الثورة السودانية، وتتصدّره في الواقع أحزاب ديمقراطية، تقدّمية وعلمانية.
في مرات كثيرة، كان "الشبيحة" ومن كان يشد على أيديهم، خصوصا من اليساريين والقوميين، يساجلون خصومهم من مناصري الثورة السورية، بالاتكاء على خطابٍ روسيٍّ معادٍ للإمبريالية، ومناهضٍ للتغوّل الأميركي في المنطقة، غير مدركين أن موسكو البوتينية المراوغة هي غير موسكو السوفياتية المبدئية، فما الذي سيقوله القوم في تبرير هذه الازدواجية الروسية التي ترى السودان وسورية بمنظارين متضادين، صنعهما بلد شديد الانتهازية، تحكمه المافيا، وتقوده مصالحه الذاتية فقط.