سورية ورقة في مفاوضات خمسة زائد واحد بين إيران والدول الكبرى

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

06/ 06/ 2014
الحياة
المؤلف: 

الفارق بين الرئاستين المصرية والسورية في انتخابات هذا الأسبوع هو أن الأولى أحيت مصر دولةً رائدة في موازين القوى الإقليمية بقرار وبدعم عربي، بينما الثانية أخرجت سورية من السرب العربي وجعلتها ملحقاً لإيران في الموازين الإقليمية. الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي جعل من الأوضاع المعيشية والاجتماعية والأمنية أولويته راضخاً أمام مطالب الشعب بأن تكون همومه في صدارة الاعتبارات ومستقبله في أعلى قائمة التعهدات. الرئيس السوري بشار الأسد جعل من مكافحة الإرهاب العالمي عنوان أولوياته فحوّل الأرض تربة للمعركة العالمية المدمِّرة وحشد شعبه ذخيرة لها. وهذا فارق شاسع بين الرئيس الذي استدعاه الشعب وكلّفه القيادة تحت مجهر المراقبة والمحاسبة للسنوات الأربع المقبلة وبين سيد «قصر الشعب» الذي أقصى نصف شعبه بإصراره على انتخابات تمديد ولايته لسبع سنوات وسط دمار ونزوح ولجوء إلى دول مجاورة لا سابقة له. والفارق الآخر بين الرئاستين هو أن إيران تتباهى بفوزها بسورية في إطار استراتيجية أدوارها الإقليمية وساعدها الطويل في الدول العربية، وبالذات العراق وسورية ولبنان، وهي تضخ الأموال في السلاح وحروب تغذي النزاعات الداخلية داخل هذه الدول. بالمقابل، حققت المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية نصراً استراتيجياً في مصر من خلال ضخ المال في عملية الإصلاح وترميم البنية التحتية الاقتصادية والتنموية داعمة القرار الشعبي المصري برفض مشروع «الإخوان المسلمين» الخطير على مصر والمنطقة أجمع.

الرئيس السيسي سيبقى تحت مراقبة الشعب الذي أتى به إلى السلطة ومحاسبته، فإذا خطر على باله أن يتحوّل إلى رئيس فوق إرادة الشعب سيُُخلع. كيفية صعوده إلى السلطة سابقة، ليس في مصر فحسب وإنما في المنطقة العربية أجمع. قد يُسمَحُ له بإجراءات انتقالية صارمة لضبط الأوضاع الأمنية، إنما لن يُسمح له بالتعدي على الحريات باسم الصلاحيات الأمنية على المدى البعيد. وما عليه إلاّ أن يضع في مكتبه صورتين لرئيسين خلعهما الشعب المصري في غضون سنة ليتفادى أخطاء سلفيه، وكلاهما (الرئيس الأسبق حسني مبارك والسابق محمد مرسي) ما زالا في السجن يطلان على الرئيس السيسي بدرسٍ من المفيد له أن يحفظه عن غيب.

مواقف العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز لدى تهنئة الرئيس السيسي ملفتة، فهو حض الرئيس الجديد على إجراء «حوار وطني مع كل فئة لم تلوث يدها بسفك دماء الأبرياء وترهيب الآمنين». وبالمقدار نفسه من الأهمية دعا إلى مؤتمر مانحين لمساعدة مصر «في تجاوز ازمتها الاقتصادية» محذّراً من أن «من يتخاذل اليوم عن تلبية هذا الواجب... لا مكان له غداً بيننا إذا ما ألمّت به المحن وأحاطت به الأزمات». ناشد العاهل السعودي «كل الأشقاء والأصدقاء الابتعاد والنأي بأنفسهم عن شؤون مصر الداخلية بأي شكل من الأشكال»، معتبراً أن المساس بمصر مرفوض قطعاً «وهو مبدأ لا نقبل المساومة عليه، أو النقاش حوله تحت أي ظرف كان».

هذه الرسالة موجهة إلى الولايات المتحدة بقدر ما هي موجهة إلى إسرائيل وتركيا وإيران،لأن عنوانها الرئيسي هو أن السعودية تدعم صعود مصر إلى مرتبة الوزن العربي الفاعل في الموازين الإقليمية.

مصر تشكل نجاحاً للسياسة السعودية الإقليمية، فيما سورية تشكل فشلاً. الرياض لن تساوم على إنجازها المصري الذي أتى عبر الدعم الاقتصادي وليس عبر التدخل الأمني والعسكري. الرياض -باعترافها- لم تنجح في سورية، ولذلك تعيد النظر في سياساتها نحو تلك الدولة العربية المهمة التي نجحت طهران في الفوز بها.

طهران تستثمر غالياً في سورية للفوز بها، ليس فقط لأن ذلك حجر أساسي في طموحاتها الإقليمية وإنما أيضاً لأن سورية أصبحت ورقة في المفاوضات النووية بين إيران والدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن زائد ألمانيا والمعروفة بمفاوضات 5+1.

وللتأكيد، طهران لا تريد لسورية أن تكون ورقة مساومة في المفاوضات النووية لأنها تريد الفوز بالمطلبين الإقليمي والنووي. لكن طهران تدرك أن رفع العقوبات الكبرى المفروضة بموجب قوانين أميركية وأبرزها قانون داماتو، يتطلب من صنّاع القرار في الولايات المتحدة التطرّق إلى شق السياسات الإيرانية الخارجية بالذات في منطقة الشرق الأوسط وفي ما يسمى دعم الإرهاب.

إدارة أوباما قد ترى أن طهران تساعدها في الحرب على الإرهاب السلفي، بالذات في سورية، إنما ذلك لا يعني أن الولايات المتحدة ستنسى دعم إيران المجموعات التي تعتبرها الولايات المتحدة إرهابية،

هذا مهم لطهران لأسباب تتعلق برفع العقوبات التي يحتاجها كل من قوى الاعتدال المتمثلة بالرئيس حسن روحاني وقوى التطرف التي يقودها «الحرس الثوري» برعاية المرشد آية الله علي خامنئي. كما أنه مهم في إطار دور «حزب الله» في سورية، نظراً لتصنيفه أميركياً رسمياً في خانة «الإرهاب»، فيما عملياً تقر إدارة أوباما علناً بأهمية دوره في سورية كما فعل وزير الخارجية جون كيري أثناء زيارته الخاطفة إلى لبنان هذا الأسبوع.

لعل الوقت مناسب الآن كي يقوم كل المعنيين بالتفكير ملياً –وسريعاً– فيما يجب أن تكون استراتيجيتهم ما بعد الانتخابات الرئاسية السورية. فسورية واقعياً ليست أبداً نصراً لأي طرف كان، طالما أن مأساتها الإنسانية مستمرة بغض النظر عمّن يتخيّل أنه فاز أو انتصر.

فأولاً، وعلى صعيد بشار الأسد، لو كان اتخذ قرار التسوية السياسية مع المعارضة السورية لما اختار الانتخابات التي تمترسه –وفق رأيه– في السلطة لسبع سنوات، فمجرد إصراره، بقرار إيراني ودعم روسي، على خوض الانتخابات الرئاسية للإطاحة بفكرة الحكم الانتقالي الذي أقره بيان جنيف–1 ومؤتمر جنيف–2، يعني أن الرئيس السوري وحلفاءه قرروا أن لا استعداد لديهم لتسوية سياسية على أساس المفاوضات التي أقرها مجلس الأمن والأمم المتحدة. ولو كان في ذهن أقطاب هذا المحور أدنى قدر من الاستعداد للتسوية السياسية لفكروا بتمديد صلاحيات الرئيس الأسد لسنة أو سنتين بدلاً من انتخابات تسمره في السلطة لسبع سنوات. سنوات ستكون قمة التدمير لسورية لأن لا حسم عسكرياً في المسألة السورية مهما بدت الموازين العسكرية حالياً لصالح النظام.

ثانياً، وأمام وضوح قرار محور دمشق– طهران– موسكو سوياً مع «حزب الله» وبدعم من بكين، ينحسر بين الحين والآخر أن المساءلة تطاول المعسكر المضاد، فما هي الاستراتيجيتان الأميركية والسعودية بعد الانتخابات السورية؟ وأين هي الأمانة العامة للأمم المتحدة؟

على الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون أن يتحلى بسيكولوجية الإقدام بدلاً من الإذعان لانطباع الانتصارات الزائفة. عليه أن ينفض عن نفسه سمعة الحذر البطيء البيروقراطي وحسابات طموحات مستقبله السياسي فيما العالم يراقب باسترخاء أخطر مأساة إنسانية. فلا يجوز لبان أن يأخذ وقته في تعيين خلفٍ لممثله وممثل الجامعة العربية في سورية الأخضر الإبراهيمي، ولا يحق له الخضوع أمام مطلب موسكو ودمشق بتعيين ممثل له.

إن مسؤولية بان تتطلب منه ألا يقبع في ظل حساباته وشخصيته هو، بل أن ينظر ويحدق ملياً في متطلبات الوضع الإنساني والسياسي والأمني في سورية. لذلك، لا يمكن له أن يختار بيروقراطياً كممثل للأمم المتحدة في المسألة السورية. لا يحق له أن يأخذ وقته وأن يضع في المنصب شخصاً قابلاً للاستخدام من قبل دمشق أو موسكو أو طهران مرفوضاً من جانب الرياض وأبو ظبي والقاهرة، لأنه إذا فعل أطال المأساة السورية، فهناك حاجة ماسة لمقاربة جديدة جريئة واضحة وصريحة للمسألة السورية. وعلى بان كي مون أن يفكر بشخصية قادرة على تلك المهمة.

فاليوم يشعر بشار الأسد وحلفاؤه بالاستقواء ميدانياً، إنما واقعياً هم جميعاً في هشاشة، فالأسد يترأس حرباً أهلية وهو يخشى القرار الأميركي الجديد بتسليح نوعي للمعارضة مهما تظاهر بأنه يثق بالقدرة الأميركية على التراجع، ومهما كان محقاً في تصوره أن المهمة الموكلة إلى المعارضة المعتدلة لمحاربته ومكافحة الإرهاب معاً مستحيلة. الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تورّط في أوكرانيا، وبالتالي هو ينظر إلى سورية كقطعة في الشطرنج وليس كوسيلة لاستعادة العظمة. أما إيران، فإن أولوياتها النووية تجعلها أيضاً غير قادرة على الاستقواء، خاصة وأنها ستخضع لفترة طويلة للعقوبات الكبرى.

وعليه، على بان كي مون أن يفكر في المساحة المتاحة للمرونة اضطراراً، بدلاً من أن يفكر في الانتصارات العابرة. عليه أن يفكر بأن الفرصة الآن متاحة لفرض الممرات الإنسانية إلى سورية بدلاً من أن يظن خاطئاً أن عليه أن يطلب الإذن من دمشق مسبقاً. وبالقدر نفسه من الأهمية، يجب عليه أن يسرّع وتيرة مساعيه الحميدة –إذا كان اتخذ هذا القرار الضروري– ليلعب دوراً رائداً في صياغة العلاقات الإقليمية الضرورية للحل السياسي في سورية، وبالذات العلاقة السعودية– الإيرانية، فالفرصة الآن مواتية.

الفرصة مواتية لأن في الموازين الإقليمية يمكن القول الآن إن السعودية كسبت مصر وإيران فازت في سورية. فهم هذه المعادلة وكيفية البناء عليها يتطلب شخصية دولية قادرة على المعادلات الإقليمية وليس شخصية بيروقراطية تفوتها الفرصة، لكن بان كي مون ليس وحده المُطالب بتجنب الوقوع في فخ إدارة بيروقراطية اعتيادية للأزمة السورية.

على الرياض أن تقرر ما هي استراتيجيتها البديلة في حال أصرت طهران أن الحدث السوري هو انتصارها وفوزها. فلقد أتت الانتخابات الرئاسية السورية لتبيّن الفشل الأميركي والبريطاني والفرنسي والسعودي مهما قاومت هذه الدول ذلك الواقع ومهما اعتبرت تلك الانتخابات «مهزلة» أو «صفراً» أو سحباً للشرعية عن بشار الأسد وفرصة لدفع الائتلاف إلى أحضان الشرعية الدولية والاعتراف الدولي بها.

فالواقع على الأرض هو الشاهد على الانتصارات والهزائم، عابرة كانت أو وهمية. هذا الواقع يفرض على السعودية الاعتراف بأن إدارة أوباما عقدت العزم على إنجاح المفاوضات النووية بأي ثمن كان. فماذا ستكون الاستراتيجية السعودية على الصعيدين النووي والسوري؟ هل لديها خطة (أ) و (ب) أم أنها ستتمهل في انتظار نتائج المفاوضات النووية.

البعض في السعودية يراهن على فشل المفاوضات النووية، وهو في ذلك يرتكب أخطر الأخطاء الفادحة، ولكن حتى في ظل هذا التفكير يجب أن تمتلك الرياض خطة (ب). أما سورياً، لقد حان الوقت للعودة إلى طاولة رسم الاستراتيجيات لاستبدال خطة حروب الاستنزاف الفاشلة، التي مزّقت النسيج الاجتماعي في سورية ودمّرت البلاد، والجميع بلا استثناء مذنب في تلك الحروب المكلفة، فاليوم تبدو الحلول السياسية عبر جنيف1 و2 في مهب الريح، وإذا كان من مجال لمقاربة تفاوضية فإنها تُملى نتيجة الموازين العسكرية على الأرض. لذلك تتصدر روسيا جهود التظاهر بإحياء جنيف–2 في دورة ثالثة، فيما قامت فعلياً منذ البداية بتحويل تلك الفكرة إلى مجرد «عملية» إلهاء وتضليل رهيبة، فهي –ومعها إيران و»حزب الله» والصين بدرجة أقل– تحتفي بتتويج بشار الأسد رئيساً رغم أنف جنيف1 و2، وهي تطالب بالعودة إلى العملية التضليلية للإلهاء وكأن شيئاً لم يحدث.

بالمقابل، فأن الدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة تهرب إلى الأمام، تارة تحت ظل التظاهر بالعمل على إنجازات في الناحية الإنسانية وتارة بالسير نحو المحاسبة في المحكمة الجنائية الدولية، أما الحقيقة فهي أن الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا –زائد ألمانيا– تريد أكثر ما تريد إنجاز الصفقة النووية مع إيران وحماية تلك المفاوضات من الانهيار مهما دفعت سورية من لحمها ثمناً لذلك.