سياسة الاحتواء الروسية في التعاطي مع الأطراف ذات الصلة بالقضية السورية

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

20/6/2016
السورية نت
المؤلف: 

مع بداية شهر يونيو/ حزيران الحالي استضافت العاصمة الإيرانية طهران اجتماعًا قيل أنه ضم وزراء الدفاع من روسيا وإيران وبحضور وزير الدفاع السوري في حكومة بشار الأسد. وذلك عقب سلسلة من الزيارات التي قام بها بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي في وقت سابق إلى العاصمة الروسية موسكو.

ومن الواضح أن أحد الأسباب وراء انعقاد الاجتماع هو التخوف الإيراني من وجود صفقة سرية بين الروس والأمريكان يتعلق بالقضية السورية لا تضمن المصالح الإيرانية المستقبلية في سورية، يضاف إليه إعادة تقويم للمرحلة الماضية التي شهدت خسائر كبيرة وغير متوقعة في صفوف الحرس الثوري الإيراني في ريف حلب. حيث ترى طهران أن التقصير الروسي كان وراء الكارثة التي تعد الأكبر من نوعها للقوات الإيرانية المتواجدة على الأراضي السورية.

كما لا يمكن أن نعطي هذا التنسيق المتبادل بين الطرفين الروسي والإيراني صفة الاستمرارية لأنه مرحلي مبني على مصالح مشتركة ومرتبط بمجريات الميدان السوري. وبالنظر إلى استحالة الانتصار، وإيجاد حلول مرضية لمختلف الأطراف المتنازعة على الأراضي السورية، لا نستطيع أن نغض البصر عن الخلافات التي تتصاعد بين الحين والآخر ولو بضجيج أقل بين أكبر الداعمين للأسد.

ومع أن السياسة العامة للتدخل الروسي في سورية لا تزال محاطةً بكثير من الغموض، إلا أنها نجحت خلال وقت قصير نسبيًا من احتواء جميع الأطراف الدولية والإقليمية ذات الصلة، وتمكنت إلى حد كبير من تحجيم الدور الإيراني بهدوء. وهو ما يفسر ربما توقيت التدخل الروسي المباشر في سورية الذي بدأ نهاية شهر سبتمبر/ أيلول من العام 2015.

سياسة اللاعنف ومن ثم السيطرة الناعمة التي اتبعتها موسكو داخل أروقة النظام السوري مكنتها بحكم علاقاتها التاريخية مع النظام السوري من السيطرة تباعًا على مفاصل الحياة العسكرية والسياسية على الأراضي السورية، في حين أن طهران بذلت مجهودًا أكبر على المستوى العسكري والمالي دون تحقيق نتائج مرضية أو حاسمة.

وخلافًا لأي سيناريو متوقع فإن الخطوات الروسية في سورية جاءت مغايرة تمامًا لمثيلتها الإيرانية التي اندفعت وراء مشروع مذهبي صرف كان يحضر له منذ عدة سنوات. وتحول مركز العمليات الروسي في قاعدة حميميم العسكرية بريف اللاذقية إلى مركزٍ لصناعة القرار الروسي على الأراضي السورية دون الرجوع حتى للسوريين أنفسهم.

ولا شك أن وجود قاعدة حميميم لم يقتصر فقط على الأعمال العسكرية، بل تعداها ليشمل قضايا جوهرية يتطلع إليها الشعب السوري مثل وضع دستور جديد للبلاد، واختيار وفد للتفاوض مع نظام الأسد مغاير تماما من حيث التركيبة الفكرية لما تدعوا إليه هيئة التفاوض العليا التي اختارها السوريون في وقت سابق، ومنها كذلك تعطى الموافقة الأمنية لأي مفاوضات مع فصائل المعارضة السورية بغية التوصل إلى هدن تقضي بوقف إطلاق النار تصب في صالح قوات الأسد.

الإستراتيجية الروسية في طريقة التعامل مع الإيرانيين قوبلت بأخرى أكثر ثقة مع الاسرائيلين لتكشف تباعًا عن مدى العلاقات ومستوى التنسيق بين الجانبين، وذلك عبر ما يزيد عن المليون ونصف المليون يهودي روسي يعيشون اليوم في كنف الكيان الإسرائيلي على الأراضي المحتلة في فلسطين حيث يتمتع هؤلاء بنفوذ كبير على القرار الروسي كما أنهم يملكون ثروة مالية كبيرة من شانها التأثير على الاقتصاد الروسي المترهل.

ورغم صلابة الموقف الروسي تجاه القضية السورية سُمح لإسرائيل القيام بعشرات الغارات الحربية التي استهدفت مقرات ومخازن للأسلحة تابعة للأسد وحزب الله معًا دون أي إحراج أو تعليق علني أو مباشر من الجانب الإيراني.

ويشكل هذا التوافق بين موسكو وتل أبيب عامل قلق آخر بالنسبة لإيران إذ تخشى الأخيرة أن يتطور فيما بعد إلى البحث في مصير الأسد دون الرجوع إليها أو الأخذ بعين الاعتبار مصالحها المستقبلية. علمًا أن مسار الأحداث يوحي بأن هناك تطورًا _ربما بشكل غير مباشر_ في العلاقات الإيرانية الإسرائيلية بدأ التحضير له عبر روسيا.

على صعيد أخر انصب التركيز الروسي على تشذيب النفوذ التركي في المنطقة، وتمثلت الأولويات الروسية بمنع تركيا من تحقيق أي إنجاز يذكر داخل سورية ، والعمل على تجريدها من أي اتصال إقليمي مع دول الجوار بما فيها إيران، ودعم روسيا المباشر وغير مباشر للوجود الكردي على طول الحدود مع سورية، ما يفسر المكاسب المدروسة التي حصلت عليها روسيا من إسقاط تركيا لإحدى طائراتها المقاتلة عند اختراقها للأجواء التركية.

واصطدم القرار التركي المؤيد للتدخل العسكري التركي _ولو على نطاق ضيق_ في سورية بتخلٍ مباشر من الإدارة الأمريكية عن أكبر حلفائها التقليديين في منطقة الشرق الأوسط، هذا الخذلان الأمريكي للأتراك قابله خذلان مشابه لدول الخليج التي اصطدمت بالاتفاق النووي مع إيران، وتعنت واضح رافض لأي حل عسكري يمكن أن تدعمه دول الخليج ضد الأسد.

واللافت أن القرار العربي تجاه الواقع الراهن للقضية السورية بصبغتها الإقليمية ظل هو الآخر مرهونًا بعاملين أساسين أولهما: أن دول الخليج تلقت ضمانات من الأمريكان والروس للحفاظ على أمن المنطقة ككل والوقوف في وجه التدخلات الإيرانية بشؤونها الداخلية. والعامل الآخر هو التململ الخليجي من عدم جدوى الدور الأمريكي بشكله الحالي ممثلًا بباراك أوباما، والانتظار حتى إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية القادمة. سيما وأن العادة الأمريكية جرت على أن يقدم الرئيس الجديد للبيت الأبيض على إحداث تغيير شبه كامل في المواقف التي تبناها سلفه سابقًا.

وبانتظار أن تتحقق الأحلام العربية في أن تقدم الإدارة الأمريكية القادمة حلولاً جذرية للقضية السورية، فضلت معظم الدول العربية أن تعود إلى قوقعتها لتأخذ فترة سباتٍ لا توقيت لها تاركةً الشعب السوري وحيدًا أمام مصيره. وبذلك يثبت العرب من جديد أنهم لم يتعلموا من أخطاء الماضي في طريقة تعاملهم مع قضاياهم المصيرية ليكرروا نفس التجربة السابقة مع القضية الفلسطينية ثم العراقية وصولاً إلى سورية.

أما الحقيقة المؤلمة التي لا يمكن التغافل عنها أن الجمود والتخبط العربي طوال السنوات الماضية وعجزه عن إيجاد حل سياسي للقضية السورية أو تقديم دعم عسكري ملموس للمعارضة السورية من شأنه أن يقضي على آمال وتطلعات السوريين في الحرية والكرامة. 

تعليقات