سياسة "التصريحات" تحت أقدام الدببة

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

14/10/2015
السورية نت
المؤلف: 

آلاف من التصريحات والمقالات وخطابات الدعم، ومئات من الاجتماعات والمؤتمرات والمقابلات الصحفية على بيدر الشعب السوري، هي حصيلة أربعة أعوام ونيف من التأييد والمساندة لطموحاته وأهداف ثورته في الحرية والكرامة، التي تلقاها -وما يزال- من أصدقائه في الغرب. تتساوى في ذلك التصريحات الرئاسية والوزارية والبرلمانية، حتى لو جاءت على لسان ناطق بالبيت الأبيض أو وزارة الخارجية أو البنتاغون. مثلما تتساوى من حيث مصدرها أوروبية أو أمريكية أو أممية. دون أن نهمل بالطبع نوبات "القلق" على ما يجري في سورية، ومشاعر "التعاطف" مع الضحايا، التي يغمرنا بها بين حين وآخر الأمين العام للأمم المتحدة ومبعوثوه الدوليون، وسفراء الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن.

وطبيعي أن تكون السياسة الأمريكية هي المعني والمقصود بشكل أساسي، عندما يتحدث المتحدثون عن السياسة الغربية وعن مجموعة "أصدقاء الشعب السوري"، التي بدأت بمئة ونيف من الدول، ثم انكمشت إلى حدود العشرين، وبعدها تقلصت إلى مجموعة من إحدى عشرة دولة. واليوم يبحث السوريون عن عناوين أصدقائهم الكثر، فلا يجدون غير أطلال دارسة.

سياسة "الميكروفونات والشاشات" هي السمة الأبرز للسياسة الأمريكية، ليس بالنسبة لسورية وحدها، بل بالنسبة لدول المنطقة باستثناء إيران وإسرائيل طبعاً.

سياسة "الميكروفونات والشاشات" هي السمة الأبرز للسياسة الأمريكية، ليس بالنسبة لسورية وحدها، بل بالنسبة لدول المنطقة باستثناء إيران وإسرائيل طبعاً. حيث السياسة الأمريكية واضحة بشكل ولون وطعم، ولها قدمان تسير بهما على الأرض. كان من نتائجها امتداد النفوذ الإيراني وبقوة بين أواسط آسيا والبحر المتوسط. ومن تداعياتها اندفاع الروس – كما لم يحصل من قبل – بهجوم معاكس سياسي وعسكري، يجتاح المنطقة ليملأ مكاناً شاغراً، ويحلم بإعادة ترتيب ورسم شبكة المصالح والعلاقات بين الدول، وربما الحدود أيضاً. ساعياً وراء حلم تاريخي، ورغبة باستعادة دور روسي مفقود على خريطة القوى الدولية. وهو يفعل على الأرض ما فعله الفيتو الروسي في مجلس الأمن من تعطيل للسياسة الغربية وإظهار لضعفها وهشاشتها وانعدام فعاليتها.

لم يكن للرئيس بوتين وجنرالاته أن يفعلوا ما فعلوه، لولا الباب الموارب الذي تركته مفتوحاً السياسة الأمريكية المترددة والانسحابية والرخوة في الشرق الأوسط. فعلى الصعيد الإقليمي تركت الأزمة الأوكرانية قنبلة موقوتة وراء ظهر موسكو، يمكن أن تنفجر في أية لحظة وتشكل سبباً للثأر والانتقام. وأضعفت إلى حد كبير موقع وموقف تركيا كذراع مهم من المنظمة الأطلسية السياسية والعسكرية. وأهملت إلى حد الاستغراب الوضع في الخليج وموقع حليف تاريخي كالمملكة العربية السعودية. وجلست تنظر وتنتظر بلا مبالاة ظاهرة تطور الأوضاع في اليمن. ولم يكن موقفها من الأوضاع المصرية بأحسن حالاً. وهكذا ساهمت في زعزعة استقرار الدول، بما فعلته وما لم تفلعه. غير أن جهودها في دعم إيران وإسرائيل وتثبيت دورهما كمفتاحين في القضايا الإقليمية والدولية في المنطقة، كان أبرز الحقائق وأكثرها صلابة. في وقت ما زالت فيه نتائج هذه السياسة في كل من أفغانستان والعراق وتداعياتها تصل إلى المنطقة، وتغرقها بالمؤثرات السلبية. فقد أفلتت وحش التطرف والعنف والطائفية من قيوده، وصارت تحذر من أخطاره. كمن يشعل النار، ثم يملأ الدنيا صياحاً لإطفاء الحريق. ويعتقد كثيرون أنها ليست أخطاء، إنما سياسة مقصودة عدائية وخطيرة، يجري تنفيذها.

لا تنحصر المخاطر التي حملتها "سياسة التصريحات" دون فعل، والغزو الروسي اللاحق الذي جاء وفق معطياتها على سورية وشعبها فقط، (رغم أنهما أكبر الضحايا) بل على بقية شعوب المنطقة ودولها أيضاً. فالتحدي ليس في سورية وحدها، وإن كانت الجسر ورأس الحربة وأرض الامتحان. ويرجح أن لا تتوقف مفاعيله عند شرق المتوسط. فها هو فيض اللاجئين الذي يغرق الشواطئ الأوروبية، يظهر رأس الجبل الجليدي الذي صنعه التطاول الإيراني والروسي على المنطقة، دون أن يجد رادعاً أو من يضع له الضوابط والحدود. وعندما يعلن الروسي عن إنشاء غرفة تنسيق أمني في العراق هي مركز استخبارات مشترك لحماية الاختراق الجيوسياسي الذي يعبر المنطقة من موسكو عبر إيران والعراق وسورية إلى لبنان وربما أبعد، فهو لا يقصد سورية وحدها، ولن يكتفي بدعم نظام بشار الأسد ومنع انهياره. ومثل ذلك يفعل عندما ينشئ شبكة تواصل مع الجيش الإسرائيلي للتنسيق في الأجواء السورية وفي سماء المنطقة براً وبحراً. وهو بذلك ينجح في إدخال إيران بمعادلة الحلول والمعالجات المقترحة لشؤون المنطقة الآن وفي المستقبل، والتي حرصت السياسة الغربية طويلاً أن لا يحدث. وبفعل ذلك شقت السياسة الخليجية طريقاً جديداً نحو موسكو.

وأي مشهد تتفرج عليه سياسة واشنطن! إسرائيل تغلق باب السلام مع الفلسطينيين، وتعمل على هدم المسجد الأقصى. بشار الأسد يقتل أهل غوطة دمشق بالكيماوي. حكومة العراق تحول دون دخول العراقيين السنة إلى بغداد إلا بإذن وكفالة. الحرس الثوري الإيراني يشعل المنطقة بين صنعاء وأنقرة. والروسي وكنيسته يعلنان حرباً "مقدسة" في سورية. وبعد هذا يشتكي الجميع من التطرف والإرهاب، ويدعون لمحاربته. فهل هناك من مصنع للتطرف والإرهاب أعظم قدرة وأكثر إنتاجية من هذا المصنع؟!

فهل ترك الغرب المنطقة ميداناً، يلعب فيه الروس والإيرانيون ألعابهم الخطرة؟ وهل يكتفي بتبشيرنا بـ " فشل " حملة الرئيس بوتين، أم سيعمل من أجل ذلك؟

وهل يعتقد الرئيس أوباما حقاً أن تحطيم الجميع في المنطقة والإبقاء على عوامل القوة في مرتكزين استراتيجيين إيران وإسرائيل يمكن أن يحمل الاستقرار إلى المنطقة، ويساهم في إحلال الأمن والسلام في العالم؟ !

وكيف يمكن تلبية احتياجات التنمية المطلوبة لشعوبها في ظل تجاهل، بل تنكر غير مسبوق، لإرادة مئات الملايين من العرب المسلمين السنة وحقوقهم ومطالبهم؟!

وأي مشهد تتفرج عليه سياسة واشنطن! إسرائيل تغلق باب السلام مع الفلسطينيين، وتعمل على هدم المسجد الأقصى. بشار الأسد يقتل أهل غوطة دمشق بالكيماوي. حكومة العراق تحول دون دخول العراقيين السنة إلى بغداد إلا بإذن وكفالة. الحرس الثوري الإيراني يشعل المنطقة بين صنعاء وأنقرة. والروسي وكنيسته يعلنان حرباً "مقدسة" في سورية. وبعد هذا يشتكي الجميع من التطرف والإرهاب، ويدعون لمحاربته. فهل هناك من مصنع للتطرف والإرهاب أعظم قدرة وأكثر إنتاجية من هذا المصنع؟!

وزيران أمريكيان سابقان أحدهما وزير للخارجية (كونداليزا رايس) والآخر وزير للدفاع (روبرت غيتس)، تحدثا في مقال مشترك عن "الدبلوماسية التي تنبع من الحقائق على الأرض". وعن الاقتحام الروسي للمنطقة الذي جاء" لملء الفراغ الناشئ عن التردد الأمريكي في الاشتباك مع الأوضاع ". وخلصا إلى القول بأن "المطلوب إقامة توازن على الأرض"، وهو ما تفتقده المنطقة هذه الأيام. فلا بد من معالجة هذا الخلل الكبير في توازن القوى، ليس لمعالجة الشؤون الحالية فقط، إنما لمواجهة قضايا المستقبل أيضاً. والشعوب عندها كامل الأهلية لفعل ذلك. فها هو الشعب السوري المستفرد، يفعل ذلك وحيداً وبإمكانيات متواضعة بمواجهة طائرات بوتين وصواريخه، وميليشيات قاسم سليماني وبراميل بشار الأسد. وهو يغض الطرف عن "سياسة التصريحات"، ولسان حاله يردد المثل الإنكليزي المعروف: "إن أفعالك تتكلم بصوت عالٍ، حتى أني لست أسمع ما تقول". 

تعليقات