سياسة "كسب الوقت" والدور السعودي المطلوب

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

27/2/2015
السورية نت
المؤلف: 

ليس خفياً أن خطة مبعوث الأمم المتحدة إلى سورية "ستيفان دي ميستورا" الخاصة بتجميد القتال في حلب، والتي تهدف إلى تقليص حدة العنف وإيصال المساعدات الإنسانية وتهيئة الأجواء أمام إجراء حوار بين نظام بشار الأسد وقوى المعارضة، أمست بحسب توصيف "دي ميستورا" تواجه عقبات عدة في الفترة الحالية، سواء لفشلها في الحصول على تأييد الأطياف المختلفة لقوى المعارضة السورية التي تتباين مواقفها في الأساس تجاه التعامل مع مجمل المبادرات السياسية التي تُطرح بين فترة وأخرى، أو لعدم تبلور مؤشرات توحي بوجود دعم دولي وإقليمي يمكن أن يؤدي إلى تنفيذها على الأرض، خاصة في ظل انشغال القوى الدولية المعنية بملفات إقليمية أخرى في الوقت الحالي.

لم تحظ خطة "دي ميستورا" ـــــ الذي قدم عقب زيارته لسورية تقريره الأخير إلى مجلس الأمن في 17 فبراير/ شباط الجاري ــــــ بتأييد معظم قوى المعارضة السورية، التي لاتزال تبدي شكوكاً قوية في مدى إمكانية إقدام نظام الأسد على تنفيذ بنودها.

كما أن بعض تلك القوى ما تزال تتبنى رؤية سلبية تجاه تلك الخطة في الأساس، لاسيما أنها يمكن أن تساعد في الترويج لوجود دور محتمل للأسد في إدارة المرحلة الانتقالية، التي سوف تبدأ في مرحلة ما بعد الوصول إلى تسوية سلمية للأزمة، خاصة بعد التصريحات التي أدلى بها "دي ميستورا"، والتي أشار فيها إلى أن "الأسد جزء من الحل لوقف العنف"، وهو ما أثار ردود فعل متشددة، حيث رفض "الجيش السوري الحر" الخطة، بينما لم يقبل "مجلس قوى الثورة"، الذي يضم بعض قوى الثورة السورية المسلحة، الاجتماع مع "دي ميستورا"، واتفقت معظم قوى المعارضة على أن أساس أي حل سياسي في سورية يتمثل في اتفاق "جنيف 1" الذي ينص على تشكيل هيئة حكم انتقالية لا يكون للأسد فيها أي دور.

رغم أن "دي ميستورا" حاول بعد ذلك تخفيف حدة الاستياء الذي أثارته تصريحاته بتأكيده على أنه كان يعني أن "الأسد جزء من المفاوضات باعتبار أنه طرف رئيسي في الأزمة"، إلا أن ذلك لم يقلص من الشكوك التي انتابت العديد من القوى المعنية بالأزمة تجاه نجاحه في تنفيذ خطته لتجميد القتال في حلب.

اتساع مساحة الخلافات بين أطراف الأزمة في سورية سوف يضع أيضاً عقبات جديدة أمام قدرة دي ميستورا على تفعيل خطته، لاسيما في ظل اندفاع تلك الأطراف إلى محاولة تغيير توازنات القوى على الأرض استباقاً لإقرار الخطة في الفترة القادمة ولتعزيز مواقعها التفاوضية، وهو ما يفسر أسباب تصاعد حدة المواجهات المسلحة خلال الفترة الأخيرة في حلب بين قوى المعارضة وقوات النظام، التي تسعى إلى قطع خطوط الإمداد عن قوى المعارضة، خاصة أن الطريق الشمالي من حلب إلى الحدود مع تركيا يمثل مصدراً مهماً في هذا السياق، وهو ما يتزامن مع اتجاه النظام إلى تصعيد عملياته في الجنوب خاصة في منطقة درعا والقنيطرة، بهدف توجيه رسائل عديدة تفيد قدرته على فتح أكثر من جبهة مع قوى المعارضة في وقت واحد، وسعيه إلى تكريس بعض "المكاسب" التي حصل عليها في الفترة الأخيرة، بهدف استثمارها في أية مفاوضات محتملة خلال المرحلة المقبلة.

لا يبدو نظام الأسد، رغم ترحيبه بجهود "دي ميستورا"، في وارد تقديم تنازلات جوهرية في أية مبادرات قادمة لتسوية الأزمة في سورية، خاصة لجهة نجاحه في تغيير توازنات القوى على الأرض لصالحه في الفترة الأخيرة من وجهة نظره، ومن ثم فهو يسعى، في الغالب، إلى تبني سياسة "كسب الوقت" في التعامل مع تلك المبادرات، على غرار موقفه من الحوار الذي عقد في روسيا في الفترة من 26 وحتى 28 يناير/ كانون الثاني من العام الحالي، والذي شارك فيه وفد من النظام دون أن تكون لديه خطة واضحة للتعامل مع ما يمكن أن يترتب على الحوار من استحقاقات محتملة، ما دفع اتجاهات عدة للإشارة إلى أن نظام الأسد ليس مستعداً لدعم أية مبادرات سلمية قد تفرض عليه تقديم تنازلات، حتى لو كانت شكلية.

سياسة "كسب الوقت" تدعم موقف الأسد لاعتبارات عدة، أهمها أنها توجه رسالة إلى الأطراف المعنية بالأزمة مفادها أن مسألة إسقاط النظام لم تعد تتسامح مع المعطيات الموجودة على الأرض، وأن الحل السياسي هو الخيار الأمثل للتعامل مع تطورات الأزمة في سورية، الحل السياسي الذي يسمح بوجود دور للأسد أو أركان نظامه في مستقبل سورية. ويستغل النظام انشغال العالم بملاحقة تمدد ما يسمى "الدولة الإسلامية" في مناطق أخرى خارج سورية كليبيا وغيرها من المناطق التي باتت تعلن عن تجدد المخاطر والإنذارات الأمنية كالدنمارك والنرويج وغيرها من البلدان التي ما كانت معرضة لأي هزات أمنية من قبل، فالقوى الدولية المعنية بالأزمة، لا تمتلك في الوقت الحالي أية خيارات أخرى للتعامل مع تطورات تلك الأزمة، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، التي تمنح الأولوية في الوقت الحالي للحرب على "تنظيم الدولة" دون غيرها من الأزمات والأولويات، وتكرس دبلوماسيتها للتوصل إلى حل نهائي وشامل خلال المفاوضات النووية التي تجري مع إيران، بشكل يوحي في النهاية بأن خطة دي ميستورا لتجميد الصراع في حلب تواجه عقبات لا تبدو هينة. 

في هذا السياق تبدو المملكة العربية السعودية مرشحة فوق العادة للعب دور مهم في دعم المعارضة السورية السياسية منها والمسلحة على حد سواء، وما زيارة رئيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية خالد خوجة إلى الرياض سوى محاولة "التقاط" لأهمية الدور السعودي في انتشال الوضع السوري من أزمته، وحثها على لعب دورها الإقليمي في ظل انشغال الدول الكبرى عن الملف السوري بأمور ثانوية قد تجد طريقها إلى الحل فيما لو تم إيجاد حل للأزمة السورية يتمثل بإنهاء وجود نظام الأسد الداعم الأكبر للإرهاب في المنطقة.

الدور الجديد المطلوب من المملكة العربية السعودية كانت قد شرعت فيه إبان الملك الراحل عبد الله من خلال محاصرة المنابع المالية لإيران وتبديد دخلها المرتفع من تصدير النفط عبر تخفيض أسعار النفط العالمية وزيادة الإنتاج العالمي له، فالإنهاك الاقتصادي الذي تعاني منه إيران جراء تعدد منافذ الصرف على عدة أنظمة في العراق وسورية واليمن ولبنان، دفعها إلى تسلم زمام المبادرة العسكرية في سورية، وهو ما تجلى في قيادة قاسم سليماني نفسه للعمليات العسكرية في حوران من دون أن ينجح حتى الآن في تحقيق أي إنجاز يذكر نتيجة بسالة الجيش السوري الحر في مواجهته.

دعم السعودية المالي والعسكري للمعارضة السورية يمكن أن يتكلل بالنجاح إذا ما انسجم مع الدعم التركي لتأمين موارد جديدة للتسليح والتدريب لعناصر الجيش الحر لمواجهة نظام الأسد وتنظيم الدولة في وقت واحد، كما يمكن للسعودية أن تلعب دوراً سياسياً مهماً في تعرية ممارسات النظام والدفع تجاه تجريم مشاركة إيران علناً في المعارك إلى جانب الأسد في سورية، ودفع مجلس الأمن الدولي لإصدار قرار دولي يعلن سورية بلداً محتلاً من قبل قوات غازية لا تهدف إلا إلى قتل السوريين وحرمانهم من حقوقهم في مواجهة نظامهم المستبد.

بين سياسة كسب الوقت وإدارة الأزمة التي ينتهجها دي ميستورا في ظل الانسداد السياسي الحالي، وبوادر فرصة تاريخية أمام المملكة العربية السعودية لتسلم زمام الملف السوري بالشراكة مع دول أصدقاء الشعب السوري الفاعلة منها، ولاسيما تركيا وقطر، يمكن تكوين تحالف جديد يقف في وجه المشروع الإيراني الاحتلالي لأرض الشام المباركة، ويحول مسار التاريخ لصالح شعوب قاومت الاستبداد والطغيان وذاقت القتل والتشريد والتدمير في سبيل حريتها وكرامتها في سورية.