شجرة ترامب ـ أردوغان: هل تخفي غابة الأحزاب الكردية السورية؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

9 آب 2019
القدس العربي
المؤلف: 

عند مناسبة فارقة، مثل تلمّس المواقف من مسودة الاتفاق التركي ــ الأمريكي الأخير حول تشكيل قيادة عسكرية مشتركة تشرف على ما يُسمى «منطقة آمنة» تارة، أو «ممرّاً إنسانياً» تارة أخرى، في مساحات واسعة على الحدود السورية ــ التركية؛ يحار المرء في الإجابة عن السؤال التالي: أهي ظاهرة صحية، حيوية وتعددية، أن يكون في سوريا قرابة 30 حزباً كردياً؟ أم أنّ العكس هو الصحيح، والظاهرة مدعاة فرقة وانقسام وتبديد جهود؟ أم، كما تساجل هذه السطور، هي حالة وسيطة بين النقائض، طبيعية وموضوعية، ولا مفرّ منها بصفة إجمالية؟
وللتذكير، ومن دون الخروج عن معادلة الفقرة أعلاه، ثمة غابة من الأسماء لا تتشابك أدغالها وأشجارها وجذورها فحسب؛ بل تتداخل أغصانها عند مفردة واحدة غالبة، هي «الديمقراطي»، ويصبح تمييز المسمّى من خلال دلالة التسمية هو بوّابة الالتباس الأولى: «حزب الاتحاد الديمقراطي»، «الحزب الديمقراطي الكردي» 1، «الحزب الديمقراطي الكردي» 2، «الحزب الديمقراطي الكردي» 3، «الحزب الديمقراطي الوطني الكردي»، «حزب المساواة الديمقراطي الكردي»، «الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي»، «حزب الوحدة الديمقراطي الكردي»، «حزب يكيتي الكردي»، «حزب آزادي الكردي» 1، «حزب آزادي الكردي 2، «الحزب اليساري الكردي»، «يكيتي الكردستاني»، «الحزب الديمقراطي الكردستاني» 1، «الحزب الديمقراطي الكردستاني» 2، «حزب الوفاق الديمقراطي الكردي»، «الحزب اليساري الكردي»…
والحال أنّ ضرورة اقتفاء أثر المواقف الكردية تحديداً نابعة من حقيقتين مترابطتين، أولاهما أنّ المناطق السورية التي تتفاوض حولها وزارتا الدفاع التركية والأمريكية ذات أغلبية سكانية كردية، وذات اشتباك سياسي وميداني وحزبي كردي ــ كردي أيضاً؛ والحقيقة الثانية هي أنّ غرض الأتراك جيو ــ سياسي صريح يخصّ المسألة الكردية في المقام الأوّل، ضمن تلبية ما تسميه أنقرة عنصراً حاسماً في سلّة أمنها القومي الإقليمي. في العمق الوطني السوري الأعرض، ليست خافية إشكاليات علاقة بعض الأطراف الكردية مع النظام السوري من جهة أولى، وتنسيقها من جهة ثانية مع البنتاغون؛ الأمر الذي يوسّع دائرة الاشتباك الكردي ــ الكردي نحو حلقات سورية أخرى، شعبية أو حزبية.
ولقد توفرت على الدوام عوامل ائتلاف أو اختلاف بين المكونات والقوى والتنظيمات السورية العربية، ونظائرها السورية الكردية؛ فكانت تلك العوامل وراء انضمام، أو انسحاب، الأكراد السوريين، على مستوى تنظيمات كاملة أو أشخاص منفردين، من مختلف هيئات المعارضة السورية المعاصرة. كانت هذه هي الحال عند تشكيل «إعلان دمشق»، الذي انضمّ إليه «الديمقراطي التقدمي الكردي» ــ مجموعة عبد الحميد درويش، و«الوحدة الديمقراطي الكردي» ــ مجموعة إسماعيل عمر ومحي الدين شيخ آلي؛ وكانت الحال، بعد انتفاضة 2011، في تشكيل «المجلس الوطني»، و«هيئة التنسيق»، و«الائتلاف» و«هيئة التفاوض».
صحيح أنّ المبادئ التي اعتمدتها الأحزاب السورية العربية إزاء الحلول الأمثل للمسألة الكردية في سوريا، وطرائق ضمان الحقوق المدنية والسياسية المختلفة التي حُرم منها أكراد البلد على امتداد العقود والأنظمة؛ كانت مادّة الاتفاق أو الافتراق، غالباً. ولكن من الصحيح، في المقابل، أنّ قراءات الأحزاب الكردية ذاتها لتلك الطرائق، وللبرامج المكمّلة أو الموازية، كانت بدورها ركناً كبيراً في التأثير على مشهد العلاقات بين أطراف المعارضة العربية والكردية؛ فضلاً، بالطبع، عن المشكلات التنظيمية بين أحزاب الكرد، والانشقاقات المزمنة التي لم تترك هامشاً كافياً لتلمّس الأرضيات المشتركة.

على سبيل المثال، ولاقتباس واقعة راهنة ومأساوية هي الحرائق التي طالت آلاف الهكتارات من حقول القمح والشعير في مساحات واسعة من منطقة «الجزيرة، شمال شرقي سوريا؛ أصدر «المجلس الوطني الكردي» بياناً يتهم فيه «ما تقدّم نفسها بـ (الادارة الذاتية)»، أي مجموعات «حزب الاتحاد الديمقراطي»، «وحدات حمية الشعب»، و«قوات سوريا الديمقراطية»… بأنها «فشلت في توفير أدنى مستلزمات الحماية ودرء الأذى ومنع حدوث الحرائق وملاحقة الفاعلين، في وقت لم يغب عن أعينها أي حراك جماهيري ونشاط سياسي ولم تتوان عن ملاحقة واعتقال الشباب وهم حتى في موسم الحصاد لمعاونة أهلهم وسوقهم إلى تجنيدها».
ولا تُنسى، هنا، أعمال العنف التي مارسها «حزب الاتحاد الديمقراطي» ضدّ المتظاهرين الكرد، أوائل العام 2012، في عفرين وبعض مناطق محافظة الحسكة وكوباني وحيّ ركن الدين في دمشق؛ واتهام التنظيم بالمسؤولية عن اغتيال الناشط الكردي مشعل التمو، رئيس «تيار المستقبل» الكردي. كذلك لا تغيب عن البال صلات الحزب مع النظام السوري، سواء عبر الحزب الأمّ، الـPKK، طوال سنوات حكم حافظ الأسد، وحتى رضوخ الأخير للضغوط التركية وطرد أوجلان من سوريا والبقاع اللبناني، سنة 1998؛ أو الحزب الفرع، حين تدهورت علاقات بشار الأسد مع الحليف التركي، فاختار أن يناور مع أنقرة عن طريق تنشيط «حزب الاتحاد الديمقراطي».
مدهش، مع ذلك، أنّ مواقف مختلف الأحزاب الكردية في سوريا تتفق، بل تتطابق تماماً، حول رفض المشروع التركي حول «المنطقة الآمنة» أو «الممرّ الإنساني»؛ لكنها يندر أن تتوافق حول رفض، فما بالك بإدانة»، الشراكة الأمريكية المباشرة مع هذا المشروع ذاته. كأنّ شجرة أردوغان ــ ترامب، متمثلة في الاتفاق التركي ــ الأمريكي الأخير، تخفي بذاتها كامل اشتباك الأدغال والأشجار والجذور والأغصان في الغابة المتشابكة التي تؤلفها الأحزاب الكردية السورية! أو، وهذا أسوأ ومدعاة لبؤس أعمق وأسف أشدّ، كأنّ الإدارات الأمريكية المتعاقبة لم تطعن الأكراد في الظهر، مراراً وتكراراً، منذ وودرو ولسون سنة 1918 وحتى دونالد ترامب في أيامنا هذه!
أم لعلّ «قسد» و«مسد» وأنصار صالح مسلّم تناسوا البروتوكول الأمني لعام 1986، الموقّع بين تركيا والنظام السوري، والذي قضى صراحة بإنهاء معونات الأجهزة السورية لفصائل PKK؟ ألم تكن تلك الخطوة هي التي عبدت الطريق أمام حرب منظّمة شنّتها تركيا ضدّ الحزب، وشملت إغارة طائرات الفانتوم التركية على معسكرات كيشان وهيات وهفتانين وهيكاري، بتوقيت مناسب مع التسويات الواسعة التي كانت تجري على قدم وساق في بغداد وأنقرة ودمشق وطهران؟ ألم يُتوّج المسلسل بترحيل أوجلان من معسكراته في سوريا والبقاع، ومسارعة مفارز الأمن السوري إلى اعتقال عدد من كوادره، وتشديد الرقابة على مَن تبقّى، وصولاً إلى ذروة ركوع حافظ الأسد أمام تهديد الأتراك باجتياح سوريا عسكرياً، مما جعل ساعات أوجلان معدودة، فلم يمضِ وقت طويل حتى وقع في المصيدة؟
كلّ هذا صحيح، قد يقول قائل، ولكنّ السياسة ليست بنت الثوابت بل أمّ المتغيرات، وبالتالي فإنّ تحالفات «حزب الاتحاد الديمقراطي» الراهنة، سواء مع النظام السوري أو مع البنتاغون، تبررها السياقات المتغيرة. ولكن… مَن قال إنّ هذه السياقات تغيرت اليوم لصالح الأكراد السوريين عموماً، وهي تخدم هذا الحزب وميليشياته وإدارته الذاتية خصوصاً؟ وأيّ سياق هذا الذي يُنسي أكراد اليوم تلك الطعنات التي تلقوها من الحليف الأمريكي ذاته بالأمس القريب، في منبج وعفرين وكوباني؛ لكي لا يذهب المرء أبعد إلى جورج بوش الأب، والانتفاضة المغدورة ضد صدّام حسين؟
ثمّ هل كان رجب طيب أردوغان، أو باراك أوباما أو دونالد ترامب، في الميدان خلال جميع وقائع الغدر المتعاقبة تلك؟ واستطراداً، أيّ فارق في أن تراهن بعض القوى الكردية السورية على بنتاغون هذه الأيام، وكأنّ الزمن تكفل بمحو جراح الماضي الغائرة التي كان بنتاغون أيام سالفة هو صانع حرابها؟ وكيف للنضالات الكردية ألا تنسلخ عن المسألة الديمقراطية السورية الشاملة، إذا كان الرأي الكردي يتفرّق أيدي سبأ بين 30 حزباً محلياً، وقيادة في جبال قنديل، وأخرى في واشنطن حيث مقرّ البنتاغون!