شرق الفرات: تداخلات عسكرية ومساومات سياسية

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

صحيفة العرب
المؤلف: 

القوات العسكرية الفاعلة على الأراضي السورية تواصل مناوراتها من أجل المسك بخيوط اللعبة.
تشهد منطقة شرق الفرات تغيّرات مستمرّة في تموضع القوات العسكرية المختلفة للأطراف الفاعلة على الأرض: أميركا وروسيا وتركيا والجيش الوطني المعارض وجيش النظام وقوات سوريا الديمقراطية، وسط مناوشات عسكرية، خاصة حول بلدة تل تمر الاستراتيجية في ريف الحسكة الشمالي، بالقرب من الحدود السورية الشمالية، الواقعة على مفترق طرق منها طريق الحسكة- رأس العين، والطريق الدولي أم 4 القادم من حلب إلى الحسكة والقامشلي، إضافة إلى عودة القوات الأميركية إلى المنطقة، للتمركز حول حقول النفط في ريفي الحسكة ودير الزور.

التموضعات العسكرية الجديدة تسير بالتوازي مع خطوط المساومات السياسية المختلفة: التنسيق الأميركي- التركي الذي بدأ مع بداية أكتوبر الماضي، والمساومات التركية- الروسية المبنية على مذكرة تفاهم سوتشي في الـ22 من الشهر الماضي، ووساطة روسية بين النظام من جهة، وكل من تركيا وقوات سوريا الديمقراطية، بشكل منفصل.

وذلك مع تغير شبه أسبوعي في الاستراتيجية الأميركية تجاه سوريا، وتجاه استمرار دعمها قوات سوريا الديمقراطية، وتأهب عسكري تركي مع عدم ثقة بالطرفين الروسي والأميركي، ومخططات تركية لعودة اللاجئين إلى المنطقة الآمنة، ورغبة روسية في الإمساك بكل الخيوط السورية، واستعجال لاستعادة سيطرة النظام على موارد الطاقة، وسعي النظام لضم الوحدات الكردية إلى جيشه وفق مبدأ المصالحة الذي طبقه مع معارضيه في مناطق التسوية، وتمسك كردي بالإدارة الذاتية لتكون عودتها إلى دائرة النظام وفق تسوية سياسية أممية تحفظ لها خصوصيتها، وخضوع كلي للأجندات التركية من “الجيش الوطني” السوري، المعارض للنظام، فيما لا مكان لإيران وميليشياتها شرق الفرات.

جغرافياً، وحتى الساعة، ارتسمت حدود المنطقة الآمنة، التي اتفق الروس والأميركان على منحها لتركيا، بطول 100 كيلومتر، بين مدينتي تل أبيض ورأس العين، وعمق 30 كيلومتراً من الحدود مع تركيا، أي حتى الطريق الدولي أم 4.

وسيرت روسيا دورية جديدة، هي السادسة، مؤلفة من ثلاث آليات عسكرية روسية، وسيارات لقوات الأسايش التابعة للإدارة الذاتية، من مدينة القامشلي، باتجاه مدينة عامودا شمال الحسكة، في إطار الاتفاق الروسي- التركي المبرم في 22 أكتوبر الماضي، والذي كان قد نصّ على أن تقوم الشرطة العسكرية الروسية بإخراج عناصر قوات سوريا الديمقراطية وأسلحتهم حتى 30 كيلومتراً من الحدود التركية، وإخراج عناصر الوحدات الكردية من منبج وتل رفعت في ريف حلب.
 

تتأهب تركيا والفصائل السورية التابعة لها، بحجة استعدادها للهجوم إذا لم تنسحب الوحدات الكردية من المنطقة الآمنة، لكن المطامح التركية تريد التوسع شرقاً، لتشمل سيطرتها بقية الحدود بطول 440 كيلومترا، فيما المقترح التركي إعادة اللاجئين السوريين إلى المنطقة الآمنة، ما زال يفتقد إلى التأييد والدعم الدوليين.لاقت تبعية الجيش الوطني المعارض لتركيا استهجاناً كبيراً في الوسط السوري المعارض، مع تسليم تركيا 18 أسيرا من قوات النظام إلى روسيا، دون مقابل إخراج معتقلين، أي وفق اتفاق روسي- تركي، في حين أن سكان مناطق المعارضة في إدلب يرون أنه من الأفضل أن يوجه الجيش المعارض قواه لردع النظام عن التقدم شمالاً في ريف حماه وإدلب، وأن يتولى مهمة إنهاء ملف هيئة تحرير الشام والفصائل الجهادية غير السورية، حتى لا تكون ذريعة لروسيا والنظام، وخاصة أن أبوبكر البغدادي، زعيم تنظيم داعش كان مختبئاً في منطقة حدودية مع تركيا ضمن محافظة إدلب، قبل مصرعه بعملية عسكرية أميركية، ما يفتح الباب أمام قوات التحالف أيضاً لاستباحة المنطقة بحجة محاربة الإرهاب.

كان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، قد أعلن في الأسبوع الأول من شهر أكتوبر الماضي، الانسحاب من سوريا؛ وانسحبت قواته من القواعد الأميركية، ثم أعلنت واشنطن مؤخراً إرسال تعزيزات لحماية حقول النفط والغاز. فقد عبر رتل كبير من القوات الأميركية، برفقة عناصر كردية، مدينة تل تمر باتجاه الطريق أم 4، إلى قاعدة صرين قرب عين العرب/ كوباني، التي لا تزال تحت سيطرة الوحدات الكردية، بعد أن دخلتها مؤخراً وحدات من النظام والشرطة العسكرية الروسية.
 

وكذلك سيرت القوات الأميركية، للمرة الأولى، دورية في المنطقة الممتدة بين الرميلان والقحطانية، شرقي القامشلي، حيث توجد آبار النفط، وحقول البترول في الرميلان هي الأهم في سوريا. ويبدو أن واشنطن قررت البقاء في الجهة الشرقية من الحدود السورية الشمالية، ومنع روسيا وجيش النظام من الانتشار شرق القامشلي.

وأعلنت وزارة الدفاع الأميركية إرسال تعزيزات إلى منطقة دير الزور، للتموضع في محيط حقول النفط والغاز، بحجة منع الإرهاب من الوصول إليها.

طالما أن الإدارة الأميركية لم تحسم أمرها بالانسحاب من شرقي سوريا، وما زالت تقدم الدعم العسكري لحلفائها المحليين على الأرض من قوات سوريا الديمقراطية، فإن الأخيرة ستبقى تراهن على استمرار هذا الدعم، ما يقوي موقفها تجاه رفع سقف شروطها بالانضمام إلى جيش النظام، وتجاه التوجه كلياً إلى الحضن الروسي، خاصة مع بقاء سيطرتها واستفادتها من منابع النفط والغاز في المنطقة، وبحماية أميركية.

وهي تتمسك بمطلب إدارة ذاتية، أو لامركزية موسعة، تشمل استقلالاً اقتصادياً بدرجة معقولة؛ ومع المنع الأميركي من استفادة النظام من منابع الطاقة، يبدو أن أي تقارب مع دمشق مرهون بحل سياسي للمنطقة، توافق عليه واشنطن، وبالتالي هو أيضاً مرتبط بحل شامل للملف السوري، يتوافق عليه الروس والأميركان.

روسيا كانت سعيدة بقرار الانسحاب الأميركي مطلع الشهر الماضي، وبالتنسيق العالي مع واشنطن والسماح لقواتها ولقوات النظام بعبور نهر الفرات شرقاً، بعد أن كان ممنوعاً عليها منذ سنتين. لكنها أصيبت بالخيبة مجدداً مع احتفاظ الولايات المتحدة بالسيطرة على حقول النفط، التي كانت تريد استعادة سيطرة النظام عليها للخروج من أزمة انهياره الاقتصادي، وتمكنه من تسديد الديون الروسية والمضي بمشاريع الاستثمار للعقود الموقعة مع الجانب الروسي.

ورغم التزام موسكو بعدم السماح لطهران وميليشياتها بالاقتراب من مناطق شرق الفرات، لا تزال تواجه التعنت الأميركي تجاه تمرير الحل الروسي لسوريا، المتمثل في الاحتفاظ الأميركي بمنابع الطاقة، ضمن مخطط الحصار الاقتصادي والعقوبات التي تفرضها واشنطن على حكومة النظام. وبالتالي لا قيمة عملية لما يجري في جنيف بخصوص عقد اللجنة الدستورية، والعمل على كتابة دستور جديد، طالما أن التوافقات الروسية الأميركية، والمساومات على الملفات غير السورية أيضاً، لم تصل إلى درجة حسم الملف السوري سياسيّا وعسكريّا.

 

 

تعليقات