"صحيفة المدينة": نموذج ل"المواطنة" أم ل"المعاهدة الدولية"؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

17/3/2017
السورية نت

ذكرت كتب السيرة والتاريخ أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- عند هجرته من مكة إلى المدينة أصدر "صحيفة المدينة" وهي تحتوي عدة مواد، واضطرب الكتّاب والمفكرون في تصنيف هذه "الصحيفة"، وفي تحديد قيمتها، وفي رسم توجهاتها، وتعدّى الاضطراب إلى مؤسسات شرعية كبيرة كالأزهر، فقد ذكر "الأزهر الشريف" في بيانه الأخير الذي أصدره في نهاية المؤتمر الذي عقده مع "مجلس حكماء المسلمين" حول "الحرية والمواطنة: التنوع والتكامل" وعلى مدى يومين (28/2 إلى 1/3 2017)، واعتبر أن صحيفة المدينة قعّدت ل"المواطنة"، لذلك شدّد على أن نأخذ هذه "الصحيفة" مثالاً وقدوة.

لكنّنا عند التدقيق في "صحيفة المدينة"، وفي بنودها فسنجد أنّها أبعد ما تكون عن التأصيل ل"المواطنة" وذلك لعدة أسباب، منها:

1-أنها عُقدت بين كيانات مستقلة، ولم تُعقد بين أفراد.

2-توضح "صحيفة المدينة" أنها عقدت بين ثلاثة كيانات:

الأول: كيان المسلمين، وكان عددهم 1500 شخصاً.

الثاني: كيان اليهود على اختلاف طوائفهم، وكان عددهم أربعة آلاف شخص.

الثالث: كيان المشركين، وكانوا قبائل مختلفة متعددة، وكان عددهم 4500 شخصاً.

3-نصّت "الصحيفة" على أن القيادة للرسول -صلى الله عليه وسلم-، فكان لا يخرج أحد من المدينة أو يدخل إليها إلا بإذن الرسول صلى الله عليه وسلم، كما كان هو الحكم في كل الخلافات، مع أن جماعته –صلى الله عليه وسلم- أقل الجماعات.

4-نصت "صحيفة المدينة" على التناصر في مواجهة الأعداء المهاجمين، وعلى الاشتراك في دفع الديات.

5-لذلك عندما أخلّ بعض الأطراف بشروط المعاهدة، أخرجهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- من المدينة، ويمكن أن نأخذ مثالاً ما فعله في اليهود على ثلاث مراحل، وهي:

الأولى: بنو قينقاع، وهم الذين كشفوا عورة امرأة مسلمة كانت تشتري من أحد الأسواق، واستنجدت بالمسلمين، ثم طردهم الرسول صلى الله عليه وسلم في السنة الثانية من الهجرة، نتيجة نقضهم للاتفاق.

الثانية: بنو النضير، وكانوا قد حاولوا قتل النبي صلى الله عليه وسلم، عندما جاءهم طالباً المساهمة في دفع دية قتيلين، ورجع الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وطلب منهم الخروج، فتحصّنوا، فحاصرهم الرسول صلى الله عليه وسلم ست ليال، فرضخوا للخروج، واشترط الرسول صلى الله عليه وسلم أن يأخذوا معهم ما تحمله الإبل من دون سلاح، وكان ذلك في السنة الرابعة للهجرة، وقد تحدّث القرآن عن هذه الواقعة في سورة الحشر، فقال تعالى: (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ....)

الثالثة: بنو قريظة، وهم الذين تآمروا على المسلمين مع المشركين في غزوة الأحزاب، لذلك حكّم فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ الذي كان حليفهم قبل مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وقد حكم فيهم سعد بن معاذ أن يُقتَل الرجال، وتُسبى النساء، وتصبح أموالهم غنيمة للمسلمين.

6-ويدل أحد بنود الصحيفة: "لا يُقتَل مؤمن بكافر" دلالة واضحة على أن هذه الصحيفة ليست في معرض التقعيد لموضوع "المواطنة"، فال"المواطنة" تستدعي المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، وذلك يؤدي إلى أن يكون دم الكافر مساوياً لدم المؤمن، وبنود الصحيفة تنص على عكس ذلك.

7-كما أن بنداً آخر ينص على أن "المؤمنين أهدى من غيرهم" دليل آخر على أننا نقف أمام حالة بعيدة كل البعد عن حالة "المواطنة" التي تقود إلى حالة من التماهي والتساوي والاندماج، فالصحيفة تؤصل لحالة من الفصام والتباين بين المؤمنين والكافرين، وتنص على أفضلية المؤمنين.

8-ثم إن طرد اليهود من المدينة بشكل جماعي في مشهد تكرر عدة مرات بعد خيانتهم وإخلالهم ببنود "الصحيفة"، يدل دلالة واضحة على أن اليهود لم يكونوا "موطنين"، فال"المواطن" لا يُطرَد من "وطنه"، بل يعاقَب ويبقى مقيماً في وطنه.

9-وأخيراً فإن أمرين يؤكدان على أن هذه الصحيفة ليست في معرض التقعيد لموضوع "المواطنة"، وهما:

الأول: أنها كانت اتفاقاً بين كيانات مستقلة، ولم تكن اتفاقاً بين أفراد، و"المواطنة" هي اتفاق بين أفراد.

الثاني: أن قيادة الحكم كانت بيد المسلمين وهم أقلية، بينما الأكثرية هي التي تحكم عادة في الوطن الواحد وفي ظل عهد "المواطنة".

والآن: بماذا يمكن أن نصنّف "صحيفة المدينة"؟ وما النموذج الذي تقدّمه لنا؟ الحقيقة أننا يمكن أن نصنّفها بأنها نموذج رائع للمعاهدات الدولية، فهي قد جاءت عهداً بين عدة قوى، وقد وازنت بين جميع القوى، وأنصفتها، ولا يمكن أن نعدّها بحال من الأحوال نموذجاً نسترشد به في مجال "المواطنة".

تعليقات