صور من حلب

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

30/12/2016
العربي الجديد
المؤلف: 

لا تقول الصور التي تأتي من شرقي حلب كل شيء. هذا ما أخبرني به أحد الأصدقاء الذين زاروا المنطقة عشية توقف الأعمال العسكرية. ذهب إلى هناك، وفي نيته تفقد المكان، وتسجيل شهادة حية عن هذه المنطقة، في اليوم الثاني لبدء عملية تهجير الأهالي والمقاتلين منها، لكنه عاد تحت تأثير صدمةٍ شتتت تفكيره وحواسه عدة أيام. كانت النتيجة غير محسوبة، ولا يمكن توقعها، حتى إنه صار ينقل بعض انطباعاته على نحو مختلط وغير مفهوم، مثل قوله إن الصورة لا تستطيع نقل الواقع كما هو! 

قلت ربما إن الصديق تجوّل في الأحياء التي شهدت الحرب قرابة أربع سنوات، وانساق إلى البحث عن الدلالات، من دون أن يركز على ما تقوله الصورة. قد لا تتمكن الصورة من الإحاطة بكل تفاصيل المكان، إلا أنها تعكس جانبه المباشر في جميع الأحوال. ومع هذا، ظل صديقي الذي ذهب إلى هناك يعتبر أن الصورة غير قادرةٍ على نقلٍ أمينٍ للكارثة التي ضربت حلب. ربما كان يتحدّث عن صورةٍ تمسّه، وليس عن الصور الأخرى. 
وعلى الرغم من أن رحلته إلى شرق حلب لم تكن فوتوغرافية، أو بغرض البحث عما تقوله الصور، فإن بعض الصور التي تم نشرها تنفصل، في زاويةٍ ما، عن الصورة الفوتوغرافية، إلى حد أن من يشاهد الصور لا يصدق أنها من صنع عدسة فوتوغرافية. ظهرت بعض الصور التي تم التقاطها بأبعاد وزوايا مختلفة، وعبر وسائل تصوير متطوّرة، لتقدّم حقلاً أوسع للرؤية، لكنها لا تبدو وكأنها ملتقطةٌ في مكان شهد حرباً، بل هي أكثر حمولةً من ذلك بكثير. قاسية وقوية، بل هي قيامية، وكأنها تأخذ العين إلى زلزالٍ لم يحصل بعد، أو لعشرات القنابل الذرية، تبعاً لما ترسّخ في أذهاننا، بالأبيض والأسود، من هيروشيما وناغازاكي. 

تبدو الكارثة الحلبية واضحةً، كما لو أنها تصوير ميثيولوجي للحرب، من حيث الإيحاءات التي حملتها الصورة. هنا تحيل الصورة إلى أفعال، وتصير لغةً تذهب إلى ما فوق الواقعي وأكثر من الفوتوغرافي. وعلى اعتبار أنه ليس هناك شاهدٌ مثل الكاتب الفرنسي، جان جينيه، في صبرا وشاتيلا ليسجل شهادةً حيةً عن الفظائع، تمارس الصورة سلطتها القوية، وتخرج عن إطار الاستنساخ الحرفي والميكانيكي للواقع. 

في هذا الوقت، يكاد الصمت يكون رد فعل طبيعياً. لكن، أظن أننا نهين المدينة الشهيدة، إذا اكتفينا بالصمت فقط، قد يكون البكم أكثر نبلا. حيال وضعيةٍ من هذا القبيل، وجد الجميع أنفسهم بلا ألسنة، ولم يصدر أي بيان سياسيٍ، أو شهادة تقترب من إلقاء الضوء على التمثيل المفرط في الوحشية بمدينةٍ ذات حضور ومكانة، تعود إلى ما قبل ميلاد المسيح بخمسة قرون. وعلى الرغم من أن ما حصل في حلب يتجاوز، لجهة الفظاعة والتنكيل، ما عاشته أي مدينة أخرى وقعت تحت الاحتلال، فإن الشهباء لم تحظ بقدرٍ، ولو كان بسيطا، من رد الصدمة البديهي من العالم الذي دفن رأسه في الرمال، وأغمض عينيه عن الكلبية الروسية الإيرانية الأسدية. تلاعب بعض الهواة بصور قائد فيلق القدس الإيراني، الجنرال قاسم سليماني، ووضعوا صورته في موازاة صور موشيه دايان في القدس وإرئييل شارون في بيروت. 

بدا صديقنا الذي ذهب ليتفقد المدينة وكأنه يمشي على شفا حفرةٍ، وسط عالم غير واقعي، في حين أن الصورة التي حازت أكبر نسبة مشاهدة التقطها أحد المصورين الذين دخلوا مع قوات الاحتلال تصوّر المدينة وكأنها قطةٌ تائهةٌ ناجيةٌ من رحلة الباص الأخضر. ومع أن الصورة سوف تبقى على الدوام شاهداً على مدينةٍ لم تعد موجودةً، فإنها تعتبر أنها لا تزال حية، وهنا الصدمة التي لا يمكن الخلاص من مفعولها أبداً. 

تعليقات