ضبضبوا المدافع

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

3/2/2015
العربي الجديد
المؤلف: 

انتهت جولة الحوار "الصراعي" الجديدة بين إسرائيل وحزب الله إلى توضيح أولويات الطرفين وطبيعة انشغالاتهما، إذ ثبت أن الصراع بينهما، في الوقت الراهن، لا يقع ضمن دائرة اهتماماتهما، وأنهما ليسا معنيين بحرف التطورات الجارية في المنطقة عن مساراتها ومصائرها الذاهبة إليها. لهما مصالح في مكان آخر، أما عن الاشتباك في القنيطرة ومزارع شبعا فليس سوى خللٍ تقديري على هامش حرب المزرعة السورية الكبرى، وجرى إصلاحه.

ضبضوا المدافع، انتهت التوضيحات والإعلانات ووصلت الرسائل، كان ذلك قرار المراكز في واشنطن وطهران، وليفسّر كل طرف لجمهوره كيف سارت الأمور ولماذا انتهت هكذا. المهم أنه لا قرار بفتح جبهة للحرب مع لبنان، ولا قرار بفتح حرب ضد إسرائيل، وأيضاً، لا قرار لدخول إسرائيل حروباً مع الجبهات الشمالية. لكن، يبقى أن الحادثة كرسّت جملة قضايا في سياق الصراع والتموضعات الحاصلة في المنطقة، وثمة مؤشرات لاحتمال تبنيها قواعد تفاهم مستقبلي، بخصوص التطورات المحتملة في المنطقة:

أولاً: لا جبهة مقاومة جديدة، ثبت أن الأمر أعقد من ترتيبات تقنية وتجهيزات لوجستية يجريها حزب الله، بل للقضية بُعدٌ سياسي، يطال مصير نظام الأسد نفسه، ما قد يشكل بداية فعلية لتفكيك الحلقة الوسيطة في حلف طهران. أثبت حزب الله هذا الأمر عملانياً، في اختياره جبهة شبعا للرد على إسرائيل، وحصل الأمر، حسب تسريبات الإعلام القريب من إيران، بعد تقدير دقيق للرد الإسرائيلي المحتمل على أي عملية قد تنطلق من الجولان، وكان أن إسرائيل قد تبادر إلى تدمير التجمعات العسكرية الكبرى لنظام الأسد في قطنا وسعسع، والتي تشكل أطواق الحماية الأخيرة للعاصمة دمشق في مواجهة ثوار الجنوب، وكان الأسد نفسه، في حديثه أخيراً لمجلة "فورين بوليسي"، قد استبعد خيار فتح جبهة الجولان، وقال إنها ستبقى كما ظلت أربعة عقود هادئة، وسيستمر نظامه بالالتزام باتفاق الهدنة الموقع عام 1974.

ثانياً: لا جبهة "مقاومة" واحدة متماسكة، على ما كان نصر الله قد هدّد به قبل فترة في "الميادين"، وهذا ما أرادت تل أبيب وضعه في الاختبار، وكانت رسالتها في هذا الصدد: لا تعنينا تحالفاتكم في سورية ولبنان، لكننا سنضرب مصادر الخطر في كل قطاع، من دون الاهتمام بقواعد اشتباك وهمية يضعها الآخرون. بمعنى استمرار العمل بالمعادلة القديمة القائمة على التعامل مع كل حالة على حدة، والدليل أنه بعد غارة القنيطرة على موكب حزب الله بأيام، شنت إسرائيل غارات على اللواء 90 السوري في منطقة الكوم في ريف القنيطرة الشمالي، وبذلك تكون قد سقطت نظرية تشبيك جبهات "الجليل ـ الجولان ـ جنوب لبنان"، التي حاول ترويجها استراتيجيو الممانعة.

ثالثاً: لا حرب في لبنان، أو عليه، ما دامت الحرب السورية لا تزال مفتوحة، والواضح أن هذا قرار إقليمي دولي احترازي، لمنع تمدّد الفوضى إلى لبنان، تحت أي ظرف، نظراً لمروحة الاحتمالات القاسية التي قد تنتج عن تدحرج الحرب إلى لبنان، في ظل المعطيات الراهنة، حالة التوتر المذهبي في المنطقة، ووجود أعداد كبيرة من اللاجئين في لبنان، ولعلّ إدراك حزب الله هذه المعادلة هو ما يوفّر له مساحة لرفع سقف تصريحاته، مع إدراكه وجود شبكة أمان إقليمية ودولية، تحميه من العواقب.

رابعاً: الإصرار على صيانة قواعد الاشتباك ومراعاتها، حتى في أكثر الظروف توتراً. وفي هذا الصدد، ثمة إشارتان دالتان على هذه المراعاة: اختيار منطقة شبعا للرد على إسرائيل، وهي منطقة بحكم المتنازع عليها بين سورية ولبنان، ويوصّفها مجلس الأمن منطقة سورية، وبالتالي هي خارج نطاق القرار الدولي 1701، بمعنى أن الرد في هذه المنطقة لا يخرق قواعد الاشتباك، ورسالته واضحة أن حزب الله ليس معنياً بالتصعيد، وإنما رد موضعي لإخراجه من حالة الحرج أمام جمهوره وبيئته. والإشارة الثانية كانت اسم المجموعة التي نفذت العملية "مجموعة شهداء القنيطرة"، في محاولة لفصل العملية عن السياق العام بين الطرفين، وإنهاء مهمتها عند البيان رقم (1)، وبعدها ينتهي الاقتباس بحكم الأمر الواقع، لأن حادثة القنيطرة لن تتكرر من الطرفين.

خامساً: لوحظ أن رد حزب الله على إسرائيل مر بشبكة واسعة من الرسائل، وجرى فحصه وفلترته، عبر مرشّحات كثيرة، والتقدير أن الطرف الأميركي كان على اطلاع على هذا المناخ من مفاوضه الإيراني الذي لم تكن تنقصه متاعب جديدة لتيار الرئيس حسن روحاني أمام المتشددين. لذا، بدا الطلب الأميركي من الأطراف ضبط نفسها بعد العملية، وكأنه إعلان إغلاق هذا الملف، إلى هذا الحد وكفى، وأكملته رسائل حزب الله إلى إسرائيل من أنّه غير معني بالتصعيد، ثم إعلان إسرائيل نهاية العملية.

ضبضوا المدافع وارجعوا إلى خلف خطوط النار. لكن، هذه المرة بدون أحلام العصافير عن ردود صاعقة ومزلزلة، فالوقائع تعري البروباغندا، وتزيل عنها ألقها. الواقع الصادق أن حرب 2006 كانت آخر حروب حزب الله مع إسرائيل، تلك مرحلة انتهت.